96
ج ١ · ص ٢١٨
كأنه قال: "وجدته حاضرا عنده الجود والكرم".
وليس الحمل على المعنى، وتنزيل الشيء منزلة غيره، بعزيز في كلامهم، وقد قالوا: "زيد أضربه"، فأجازوا أن يكون مثال الأمر في موضع الخبر، لأن المعنى على النصب نحو: "اضرب زيد" ووضعوا الجملة، من المبتدأ والخبر موضع الفعل والفاعل في نحو قوله تعالى1: {أدعوتموهم أم أنتم صامتون} [الأعراف: 193]، لأن الأصل في المعادلة أن تكون الثانية كالأولى نحو: "أدعوتموهم أم صمتم".
ويدل على أن ليس مجيء الجملة من المبتدإ والخبر حالا بغير "الواو" أصلا، قلته2، وأنه لا يجيء إلا في الشيء بعد الشيء.
هذا، ويجوز أن يكون ما جاء من ذلك إنما جاء على إرادة "الواو"، كما جاء الماضي على إرادة "قد".
واعلم أن الوجه فيما كان مثل قول بشار:
خرجت مع البازي علي سواد3
أن يؤخذ فيه بمذهب أبي الحسن الأخفش4، فيرفع "سواد" بالظرف دون الابتداء، ويجري الظرف ههنا مجراه إذا جرت الجملة صفة على النكرة
97
ج ١ · ص ٢١٩
نحو: "مررت برجل معه صقر صائدا به غدا"1، وذلك أن صاحب الكتاب يوافق أبا الحسن في هذا الموضع فيرفع "صقرا" بما في "معه" من معنى الفعل، فلذلك يجوز أن يجري الحال مجرى الصفة، فيرفع الظاهر بالظرف إذا هو جاء حالا، فيكون ارتفاع "سواد" بما في "علي" من معنى الفعل، لا بالإبتداء.
ثم ينبغي أن يقدر ههنا خصوصا أن الظرف في تقدير اسم فاعل لا فعل، أعني أن يكون المعنى: "خرجت كائنا علي سواد، وباقيا علي سواد، ولا يقدر: "يكون علي سواد"، و "يبقى علي سواد"، اللهم إلا أن تقدر فيه فعلا ماضيا مع "قد" كقولك: "خرجت مع البازي قد بقي علي سواد"، والأول أظهر.
وإذا تأملت الكلام وجدت الظرف وقد وقع مواقع لا يستقيم فيها إلا أن يقدر تقدير اسم فاعل، ولذلك قال أبو بكر من السراج في قولنا2: "زيد في الدار"، إنك مخير بين أن تقدر فيه فعلا فتقول: "استقر في الدار"، وبين أن تقدر اسم فاعل فتقول: "مستقر في الدار"، وإذا عاد الأمر إلى هذا، كان الحال في ترك "الواو" ظاهرة3، وكان "سواد" ي قوله "خرجت مع البازي علي سواد"، بمنزلة "قضاء الله" في قوله:
سأغسل عني العار بالسيف جالبا ... علي قضاء الله ما كان جالبا4