82
ج ١ · ص ١٩٢
وهكذا القول في "المصادر"، تقول: "العلم" و "الجهل" و "الضرب" و "القتل" و "السير" و "القيام" و "القعود"، فتجد كل واحد من هذه المعاني جنسا كالرجل والفرس والحمار. فإذا وصفت فقلت: "علم كذا" و "علم كذا" كقولك: "علم ضروري" و "علم مكتسب"، و "علم جلي" و "علم خفي" و "ضرب شديد" و "ضرب خفيف" و "سير سريع" و "سير بطيء" وما شاكل ذلك، آتقسم الجنس منها أقاساما، وصار أنواعا، وكان مثلها مثل الشيء والمجموع المؤلف تفرقه فرقا وتشعبه شعبا. وهذا مذهب معروف عندهم، وأصل متعارف فيكل جيل وأمة.
المصادر تتفرق بالصلة، كما تتفرق بالصفة:
ثم إن ههنا أصلا هو كالمتفرع على هذا الأصل أو كالنظير له، وهو أن من شأن "المصدر" أن يفرق بالصلات كما يفرق بالصفات.
ومعنى هذا الكلام أنك تقول "الضرب"، فتراه جنسا واحدا، فإذا قلت: "الضرب بالسيف"، صار بتعديتك له إلى السيف1، نوعا مخصوصا. ألا تراك تقول: "الضرب بالسيف غير الضرب بالعصا"، تريد أنهما نوعان مختلفان، وأن اجتماعهما في اسم "الضرب" لا يوجب اتفاقهما، لأن الصلة قد فصلت بينهما وفرقتهما. ومن المثال البين في ذلك قول المتنبي:
وتوهموا اللعب الوغى، والطعن في ال ... هيجاء غير الطعن في الميدان2
ج ١ · ص ١٩٣
لولا أن اختلاف صلة المصدر تقضي اختلافه في نفسه، وأن يحدث فيه انقسام وتنوع، لما كان لهذا الكلام معنى، ولكان في الاستحالة كقولك: و "الطعن غير الطعن". فقد بان إذن أنه إنما كان كل واحد من الطعنين جنسا برأسه غير الآخر، بأن كان هذا في الهيجاء، وذاك في الميدان.
وهكذا الحكم في كل شيء تعدى إليه "المصدر" وتعلق به. فاختلاف مفعولي المصدر يقتضي اختلافه، وأن يكون المتعدي إلى هذا المفعول غير المتعدي إلى ذاك. وعلى ذلك تقول: "ليس إعطاؤك الكثير كإعطائك القليل"، وهكذا إذا عذبته إلى الحال كقولك: "ليس إعطاؤه معسرا كإعطائك موسرا" و "ليس بذلك وأنت مقل، كبذلك وأنت مكثر".
الاسم المشتق أيضا يتفرق بالصلة:
وإذا قد عرفت هذا من حكم "المصدر" فاعتبر به حكم الاسم المشتق منه.
وإذا اعتبرت ذلك علمت أن قولك: "هو الوفي حين لا يفي أحد"، و "هو الواهب المئة المصطفاة"، وقوله1:
وهو الضارب الكتيبة، والطع ... نة تعلو، والضرب أغلى وأغلى2
واشباه ذلك كلها أخبار فيها معنى الجنسية، وأنها في نوعها الخاص بمنزلة الجنس المطلق إذا جعلته خبرا فقلت: "أنت الشجاع".
وكما أنك لا تقصد بقولك: "أنت الشجاع" إلى شجاعة بعينها قد