تخطَّ إلى المحتوى

كتبٌ تُقرأ لا تُتصفَّح

78 — دلائل الإعجاز في علم المعاني

من دلائل الإعجاز في علم المعاني لـأبو بكر عبد القاهر بن عبد الرحمن بن محمد الفارسي الأصل، الجرجاني الدار — الورقة ١٨٢ من ٦٧٠.

78

ج ١ · ص ١٨٣

للمخاطب: "ضع في نسك معنى قولك: رجل متشروك في جل ماله، ثم تأمل فلانا، فإنك تستملي هذه الصورة منه، وتجده يؤديها لك نصا، ويأتيك بها كملا".

وإن أردت أن تسمع في هذا المعنى ما تسكن النفس إليه سكون الصادي إلى برد الماء، فاسمع قوله:

أن الرجل المدعو عاق فقره ... إذا لم تكارمني صروف زماني1

وإن أردت أعجب من ذلك فقوله:

أهدى إلي أبو الحسين يدا ... أرجو الثواب بها لديه غدا

وكذلك عادات الكريم إذا ... أولى يدا حسبت عليه يدا

إن كان يحسد نفسه أحد، ... فلأزعمك ذلك الأحد2

فهذا كله على معنى الوهم والتقدير، وأن يصور في خاطره شيئا لم يره ولم يعلمه، ثم يجريه مجرى ما عهد وعلم.

"الذي" ومجيئها في الخبر الموهوم:

وليس شيء أغلب على هذا الضرب الموهوم من "الذي"، فإنه يجيء كثيرا من أنك تقدر شيئا في وهمك، ثم تعبر عنه "بالذي"، ومثال ذلك قوله:

أخوك الذي إن تدعه لملمة ... يحبك وإن تغضب إلى السيف يغضب3

79

ج ١ · ص ١٨٤

وقول الآخر:

أخوك الذي إن ريته قال إنما ... أريت وإن غاتبته لان جانبه1

فهذا ونحوه على أنك قدرت إنسانا هذه صفته وهذا شأنه، وأحلت السامع على من يعن في الوهم2، دون أن يكون قد عرف جرلا بهذه الصفة فأعلمته أن المستحق لاسم الأخوة هو ذلك الذي عرفه، حتى كأنك قلت: "أخوك زيد الذي عرفت أنك إن تدعه لملمة يحبك".

ولكون هذا الجنس معهودا من طريق الوهم والتخيل، جرى على ما يوصف بالاستحالة، كقولك للرجل وقد تمنى: "هذا هو الذي لا يكون"، و "هذا ما لا يدخل في الوجود"، وكقوله:

مالا يكون فلا يكون بحيلة ... أبدا وما هو كائن سيكون3

ومن لطيف هذا الباب قوله:

وإني لمشتاق إلى ظل صاحب ... يروق ويصفو إن كدرت عليه4

قد قدر كما ترى ما لم يعلمه موجودا، ولذلك قال المأمون: "خذ مني الخلافة وأعطني هذا الصاحب". فهذا التعريف الذي تراه في الصاحب لا يعرض فيه شك أنه موهوم.

ت. محمود محمد شاكر أبو فهر — مطبعة المدني بالقاهرة - دار المدني بجدة — الثالثة ١٤١٣هـ - ١٩٩٢م