78
ج ١ · ص ١٨٢
ويزداد هذا المعنى ظهورا بأن تكون الصفة التي تريد الإخبار بها عن المبتدأ مجراة على موصوف، كقوله ابن الرومي:
هو الرجل المشروك في جل ماله ... ولكنه بالمجد والحمد مفرد1
تقديره، كأنه يقول للسامع: فكر في رجل لا يتميز عفاته وجيرانه ومعارفه عنه في ماله وأخذ ما شاؤوا منه، فإذا حصلت صورته في نفسك، فأعلك أنه ذلك الرجل.
وهذا فن عجيب الشأن، وله مكان من الفخامة والنبل، وهو من سحر البيان الذي تقصر العبارة عن تأدية حقه. والمعول فيه على مراجعة النفس واستقصاء التأمل، فإذا علمت أنه لا يريد بقوله: "الرجل المشروك في جل ماله" أن يقول: "هو الذي بلغت حديثه، وعرفت من حاله وقصته أن يشرك في جل ماله، على حد قولك: "هو الرجل الذي بلغك أنه أنفق كذا، والذي وهب المئة المصطفاة من الإبل" ولا أن يقول إنه على معنى: "هو الكامل في هذه الصفة"، حتى كأن ههنا أقواما يشركون في جل أموالهم، إلا أنه في ذلك أكمل وأتم، لأن ذلك لا يتصور. وذاك أن كون الرجل بحيث يشرك في جل ماله، ليس بمعنى يقع فيه تفاضل2، كما أن بذل الرجل كل ما يملك كذلك ولو قيل: "الذي يشرك في ماله"، جاز أن يتفاوت. وإذا كان كذلك، علمت أنه معنى ثالث. وليس إلا ما أشرت إليه من أنه يقول
ج ١ · ص ١٨٣
للمخاطب: "ضع في نسك معنى قولك: رجل متشروك في جل ماله، ثم تأمل فلانا، فإنك تستملي هذه الصورة منه، وتجده يؤديها لك نصا، ويأتيك بها كملا".
وإن أردت أن تسمع في هذا المعنى ما تسكن النفس إليه سكون الصادي إلى برد الماء، فاسمع قوله:
أن الرجل المدعو عاق فقره ... إذا لم تكارمني صروف زماني1
وإن أردت أعجب من ذلك فقوله:
أهدى إلي أبو الحسين يدا ... أرجو الثواب بها لديه غدا
وكذلك عادات الكريم إذا ... أولى يدا حسبت عليه يدا
إن كان يحسد نفسه أحد، ... فلأزعمك ذلك الأحد2
فهذا كله على معنى الوهم والتقدير، وأن يصور في خاطره شيئا لم يره ولم يعلمه، ثم يجريه مجرى ما عهد وعلم.
"الذي" ومجيئها في الخبر الموهوم:
وليس شيء أغلب على هذا الضرب الموهوم من "الذي"، فإنه يجيء كثيرا من أنك تقدر شيئا في وهمك، ثم تعبر عنه "بالذي"، ومثال ذلك قوله:
أخوك الذي إن تدعه لملمة ... يحبك وإن تغضب إلى السيف يغضب3