تخطَّ إلى المحتوى

كتبٌ تُقرأ لا تُتصفَّح

57 — دلائل الإعجاز في علم المعاني

من دلائل الإعجاز في علم المعاني لـأبو بكر عبد القاهر بن عبد الرحمن بن محمد الفارسي الأصل، الجرجاني الدار — الورقة ١٤٣ من ٦٧٠.

57

ج ١ · ص ١٤٤

اللفظ دليل على أمرين، ثم يقع القصد إلى أحدهما دون الآخر، فيصير ذلك الآخر بأن لم يدخل في القصد كأنه لم يدخل في دلالة اللفظ.

وإذا اعتبرت ما قدمته من قول صاحب الكتاب: "إنما قلت: "عبد الله" فنبهته له، ثم بنيت عليه الفعل"1، وجدته يطابق هذا. وذاك أن التنبيه لا يكون إلا على معلوم، كما أن قصر الفعل لا يكون إلا على معلوم، فإذا بدأت بالنكرة فقلت: "رجل"، وأنت لا تقصد بها الجنس، وأن تعلم السامع أن الذي أردت بالحديث رجل لا امرأة، كان محالا أن تقول: "إني قدمته لأنبه المخاطب له"، لأنه يخرج بك إلى أن تقول: إني أردت أن أنبه السامع لشيء لا يعلمه في جملة ولا تفصيل. وذلك ما لا يشك في استحالته، فاعرفه.

58

ج ١ · ص ١٤٥

هو باب دقيق المسلك، لطيف المأخذ، عجيب الأمر، شبيه بالسحر، فإنك ترى به ترك الذكر، أفصح من الذكر، والصمت عن الإفادة، أزيد للإفادة، وتجدك أنطق ما تكون إذا لم تنطق، وأتم ما تكون بيانا إذا لم تبن1.

59

ج ١ · ص ١٤٦

وهذه جملة قد تنكرها حتى تخبر، وتدفعها حتى تنظر، وأنا أكتب لك بديئا أمثلة مما عرض فيه الحذف، ثم أنبهك على صحة ما أشرت إليه، وأقيم الحجة من ذلك عليه. أنشد صاحب الكتاب1:

اعتاد قلبك من ليلى عوائده ... وهاج أهواءك المكنونة الطلل

ربع قواء أذاع المعصرات به ... وكل حيران سار ماؤه خضل2

قال: أراد، "ذاك ربع قواء أو هو ربع". قال: ومثله قول الآخر:

هل تعرف اليوم رسم الدار والطللا ... كما عرفت بحقن الصيقل الخللا

دار لمروة إذ أهلي وأهلهم ... بالكانسية نرعى اللهو والغزلا3

كأنه قال: تلك دار. قال شيخنا رحمه الله1: ولم يحمل البيت الأول على أن "الربع" بدل من الطلل"، لأن الربع أكثر من الطلل، والشيء يبدل مما هو مثله أو أكثر منه، فأما الشيء من أقل منه ففاسد لا يتصور2 وهذه طريقة مستمرة لهم إذا ذكروا الديار والمنازل.

حذف الفعل وإضماره:

وكما يضمرون المبتدأ فيرفعون، قد يضمرون الفعل فينصبون، كبيت الكتاب أيضا:

ديار مية إذ مي تساعفنا ... ولا يرى مثلها عجم ولا عرب3

أنشده بنصب "ديار" على إضمار فعل، كأنه قال: أذكر ديار مية.

المواضع التي يطرد فيها حذف المبتدأ وأمثلته:

ومن المواضع التي يطرد فيها حذف المبتدأ، "القطع الأول، ويستأنفون كلاما آخر، وإذا فعلوا ذلك، أتوا في أكثر الأمر بخبر من غير مبتدإ مثال ذلك قوله:

ت. محمود محمد شاكر أبو فهر — مطبعة المدني بالقاهرة - دار المدني بجدة — الثالثة ١٤١٣هـ - ١٩٩٢م