تخطَّ إلى المحتوى

كتبٌ تُقرأ لا تُتصفَّح

51 — دلائل الإعجاز في علم المعاني

من دلائل الإعجاز في علم المعاني لـأبو بكر عبد القاهر بن عبد الرحمن بن محمد الفارسي الأصل، الجرجاني الدار — الورقة ١٣٢ من ٦٧٠.

51

ج ١ · ص ١٣٣

أو في تكذيب مدع كقوله عز وجل: {وإذا جاءوكم قالوا آمنا وقد دخلوا بالكفر وهم قد خرجوا به} [المائدة: 61]، وذلك أن قولهم: "آمنا"، دعوى منهم أنهم لم يخرجوا بالكفر كما دخلوا به، فالموضع موضع تكذيب.

أو1 فيما القياس في مثله أن لا يكون، كقوله تعالى: {واتخذوا من دونه آلهة لا يخلقون شيئا وهم يخلقون} [الفرقان: 3]، وذلك أن عبادتهم لها تقتضي أن لا تكون مخلوقة.

وكذلك في كل شيء كان خبرا على خلاف العادة، وعما يستغرب من الأمر نحو أن تقول: "ألا تعجب من فلان؟ يدعي العظيم، وهو يعيى باليسير، ويزعم انه شجاع، وهو يفزع من أدنى شيء".

وجوه تقديم المحدث عنه، ومعانيها:

ومما يحسن ذلك فيه ويكثر، الوعد والضمان، كقول الرجل: "أنا أعطيك، أنا أكفيك، أنا أقوم بهذا الأمر"، وذلك أن من شأن من تعده وتضمن له، أن يعترضه الشك في تمام الوعد وفي الوفاء به، فهو من أحوج شيء إلى التأكيد.

وكذلك يكثر في المدح، كقولك: "أنت تعطي الجزيل، أنت تقري في المحل، أنت تجود حين لا يجود أحد"، وكما قال:

ولأنت تقري ما خلقت وبع ... ض القوم يخلق ثم لا يفري2

52

ج ١ · ص ١٣٤

وكقول الآخر:

نحن في المشتاة ندعو الجفلى1

وذلك أن من شأن المادح أن يمنع السامعين من الشك فيما يمدح به، ويباعدهم من الشبهة، وكذلك المفتخر.

تقديم المحدث عنه بعد واو الحال:

ويزيدك بيانا أنه إذا كان الفعل مما لا يشك فيه ولا ينكر بحال، لم يكد يجيء على هذا الوجه، ولكن يؤتى به غير مبني على اسم، فإذا أخبرت بالخروج مثلا عن رجل من عادته أن يخرج في كل غداة قلت: "قد خرج"، ولم تحتج إلى أن تقول: "هو قد خرج"، ذاك لأنه ليس بشيء يشك فيه السامع2، فتحتاج أن تحققه، وإلى أن تقدم فيه ذكر المحدث عنه. وكذلك إذا علم السامع من حال رجل أنه على نية الركوب والمضي إلى موضع، ولم يكن شك وتردد أنه يركب أو لا يركب، كان خبرك فيه أن تقول: "قد ركب"، ولا تقول3: "هو قد ركب". فإن جئت بمثل هذا في صلة كلام، ووضعته بعد واو الحال، حسن حينئذ، وذلك قولك: "جئته وهو قد ركب"، وذاك أن الحكم يتغير إذا صارت الجملة فيمثل هذا الموضع، ويصير الأمر بمعرض

ت. محمود محمد شاكر أبو فهر — مطبعة المدني بالقاهرة - دار المدني بجدة — الثالثة ١٤١٣هـ - ١٩٩٢م