تخطَّ إلى المحتوى

كتبٌ تُقرأ لا تُتصفَّح

دلائل الإعجاز — دلائل الإعجاز في علم المعاني

من دلائل الإعجاز في علم المعاني لـأبو بكر عبد القاهر بن عبد الرحمن بن محمد الفارسي الأصل، الجرجاني الدار — الورقة ١٣ من ٦٧٠.

دلائل الإعجاز

ج ١ · ص ١٤

وعلى العكس، فرب كلمة حق أريد بها باطل، فاستحق عليها الذم، كما عرفت من خبر الخارجي مع علي راضون الله عليه1. ورب قول حسن لم يحسن من قائله حين تسبب به إلى قبيح، كالذي حكى الجاحظ قال: "رجع طاوس يوما عن مجلس محمد بن يوسف2، وهو يومئذ والي اليمن فقال: ما ظننت أن قول: "سبحان الله" يكون معصية لله تعالى حتى كان اليوم، سمعت رجلا أبلغ ابن يوسف عن رجل كلاما، فقال رجل من أهل المجلس: "سبحان الله"، كالمستعظم لذلك الكلام، ليغضب ابن يوسف"3.

فبهذا ونحوه فاعتبر، واجعله حكما بينك وبين الشعر.

الدفاع عن الشعر:

وبعد، فكيف وضع من الشعر عندك، وكسبه المقت منك، أنك وجدت فيه الباطل والكذب وبعض ما لا يحسن، ولم يرفعه في نفسك، ولم يوجب له المحبة من قبلك، أن كان فيه الحق والصدق والحكمة وفصل الخطاب، وأن كان مجنى ثمر العقول والألباب، ومجتمع فرق الآداب، والذي قيد على الناس المعاني الشريفة، وأفادهم الفوائد الجليلة، وترسل بين الماضي والغابر، ينقل مكارم الأخلاق إلى الولد عن الوالد، ويؤدي ودائع الشرف عن الغائب إلى الشاهد، حتى ترى به آثار الماضين مخلدة في الباقين، وعقول الأولين مردودة في الآخرين، وترى لكل من رام الأدب،

1

ج ١ · ص ١٥

وابتغى الشرف، وطلب محاسن القول والفعل، منارا مرفوعا، وعلما منصوبا، وهاديا مرشدا، ومعلما مسددا، وتجد فيه للنائي عن طلب المآثر، والزاهد في اكتساب المحامد، داعيا، ومحرضا، وباعثا ومحضضا، ومذكرا ومعرفا، وواعظا ومنفقا. فلو كنت ممن يتصف كان في بعض ذلك ما يغير هذا الرأي منك، وما يحدوك على رواية الشعر وطلبه، ويمنعك أن تعيبه أو تعيب به، ولكنك أبيت إلا ظنا سبق إليك، وإلا بادي رأي عن لك، فأقفلت عليه قلبك، وسددت عما سواه سمعك، فعي الناصح بك1، وعسر على الصديق الخليط تنبيهك.

الأحاديث في ذم الشعر، ومدحه:

نعم، وكيف رويت: "لأن يمتلئ جوف أحدكم قيحا، فيريه، خير له من أن يمتلئ شعرا" 2، ولهجت به، وتركت قوله صلى الله عليه وسلم: "إن من الشعر لحكمة، وإن من البيان لسحرا"؟ 3 وكيف نسيت أمره صلى الله عليه وسلم بقول الشعر، ووعده

ت. محمود محمد شاكر أبو فهر — مطبعة المدني بالقاهرة - دار المدني بجدة — الثالثة ١٤١٣هـ - ١٩٩٢م