49
ج ١ · ص ١٣٠
يحقق الأمر ويؤكده. فأوقع ذكرها في سمع الذي كلم ابتداء من أول الأمر.
ليعلم قبل هذا الحديث أنه أرادها بالحديث، فيكون ذلك أبعد له من الشك.
ومثله في الوضوح قوله:
هما يلبسان المجد أحسن لبسة ... شحيحان ما اسطاعا عليه كلاهما1
لا شبهة في أنه لم يرد أن يقصر هذه الصفة عليهما، ولكن نبه لهما قبل الحديث عنهما.
وأبين من الجميع قوله تعالى: {واتخذوا من دونه آلهة لا يخلقون شيئا وهم يخلقون} [الفرقان: 3]، وقوله عز وجل: {وإذا جاءوكم قالوا آمنا وقد دخلوا بالكفر وهم قد خرجوا به} [المائدة: 61].
تقديم المحدث عنه يفيد التنبيه والتحقيق:
وهذا الذي قد ذكرت من أن تقديم ذكر المحدث عنه يفيد التنبيه له، قد ذكره صاحب الكتاب في المفعول إذا قدم فرفع بالابتداء، وبني الفعل الناصب كان له عليه2 وعدي إلى ضميره فشغل به. كقولنا في "ضربت عبد الله": "عبد الله ضربته"، فقال: و "إنما" قلت: "عبد الله"، فنبهته له، ثم بنيت عليه الفعل، ورفعته بالابتداء"3.
ج ١ · ص ١٣١
فإن قلت: فمن أين وجب أن يكون تقديم ذكر المحدث عنه بالفعل، آكد لإثبات ذلك الفعل له، وأن يكون قوله: "هما يلبسان المجد"1، أبلغ فى جعلهما يلبسانه من أن يقال: "يلبسان المجد"؟
فإن2 ذلك من أجل أنه لا يؤتى بالاسم معرى من العوامل إلا لحديث قد نوي إسناده إليه، وإذا كان كذلك، فإن قلت: "عبد الله"، فقد أشعرت قبله بذلك أنك قد أردت الحديث عنه، فإذا جئت بالحديث فقلت مثلا: "قام" أو قلت: "خرج"، أو قلت: "قدم" فقد علم ما جئت به وقد وطأت له وقدمت الإعلام فيه، فدخل على القلب دخول المأنوس به، وقلبه قبول المهيأ له المطمئن إليه، ولك لا محالة أشد لثبوته، وأتقى للشبهة، وأمنع للشك، وأدخل في التحقيق.
وجملة الأمر أنه ليس إعلامك الشيء بغتة غفلا، مثل إعلامك له بعد التنبيه عليه والتقدمة له، لأن ذلك يجري مجرى تكرير الإعلام في التأكيد والإحكام. ومن ههنا قالوا: إن الشيء إذا أضمر ثم فسر، كان ذلك أفخم له من أن يذكر من غير تقدمة إضمار3.
ويدل على صحة ما قالوه أننعلم ضرورة في قوله تعالى: {فإنها لا تعمى الأبصار} [الحج: 46] فخامة وشرفا وروعة، لا نجد منها شيئا في قولنا: "فإن