تخطَّ إلى المحتوى

كتبٌ تُقرأ لا تُتصفَّح

48 — دلائل الإعجاز في علم المعاني

من دلائل الإعجاز في علم المعاني لـأبو بكر عبد القاهر بن عبد الرحمن بن محمد الفارسي الأصل، الجرجاني الدار — الورقة ١٢٦ من ٦٧٠.

48

ج ١ · ص ١٢٧

فصل 1: التقديم والتأخير في الخبر المثبت وهو قسمان:

واعلم أن الذي بان لك في "الاستفهام" و "النفي" من المعنى في التقديم، قائم مثله في "الخبر المثبت".

فإذا عمدت إلى الذي أردت أن تحدث عنه فعل فقدمت ذكره، ثم بنيت الفعل عليه فقلت: "زيد قد فعل" و "أنا فعلت"، و "أنت فعلت"، اقتضى ذلك أن يكون القصد إلى الفاعل، إلا أن المعنى في هذا القصد ينقسم قسمين:

القسم الجلي:

أحدهما جلي لا يشكل: وهو أن يكون الفعل فعلا قد أردت أن تنص فيه على واحد فتجعله له، وتزعم أنه فاعله دون واحد آخر، أو دون كل أحد.

ومثال ذلك أن تقول "أنا كتبت في معنى فلان وأنا شفعت في بابه"2، تريد أن تدعي الانفراد بذلك والاستبداد به، وتزيل الاشتباه فيه، وترد على من زعم أن ذلك كان من غيرك، أو أن غيرك قد كتب فيه كما كتبت. ومن البين في ذلك قولهم في المثل "أتعلمني بضب أنا حرشته"3.

القسم الثاني وتفسيره:

والقسم الثاني: أن لا يكون القصد إلى الفاعل على هذا المعنى، ولكن على أنك أردت أن تحقق على السامع أنه قد فعل، وتمنعه من الشك، فأنت

49

ج ١ · ص ١٢٨

لذلك تبدأ بذكره، وتوقعه أولا ومن قبل أن تذكر الفعل في نفسه1، لكي تباعده بذلك من الشبهة، وتمنعه من الإنكار، أو من أن يظن بك الغلط أو التزيد. ومثاله قولك: "هو يعطي الجزيل"، و "هو يحب الثناء"، لا تريد أن تزعم أنه ليس هنا من يعطي الجزيل ويحب الثناء غيره، ولا أن تعرض بإنسان وتحطه عنه، وتجعله لا يعطي كما يعطي، ولا يرغب كما يرغب2، ولكنك تريد أن تحقق على السامع أن إعطاء الجزيل وحب الثناء دأبه، وأن تمكن ذلك في نفسه.

ومثاله في الشعر:

هم يفرشون اللبد كل طمرة ... وأجرد سباح يبذ المغالبا3

لم يرد أن يدعي لهم هذه الصفة دعوى من يفردهم بها، وينص عليهم فيها، حتى كأنه يعرض بقوم آخرين، فينفي أن يكونوا أصحابها. هذا محال. وإنما أراد أن يصفهم بأنهم فرسان يمتهدون صهوات الخيل، وأنهم يقتعدون الجياد منها4، وأن ذلك دأبهم، من غير أن يعرض لنفيه عن غيرهم، إلا أنه بدأ بذكرهم لينبه السامع لهم، ويعلم بديا قصده إليهم بما في نفسه من الصفة5،

ت. محمود محمد شاكر أبو فهر — مطبعة المدني بالقاهرة - دار المدني بجدة — الثالثة ١٤١٣هـ - ١٩٩٢م