تخطَّ إلى المحتوى

كتبٌ تُقرأ لا تُتصفَّح

45 — دلائل الإعجاز في علم المعاني

من دلائل الإعجاز في علم المعاني لـأبو بكر عبد القاهر بن عبد الرحمن بن محمد الفارسي الأصل، الجرجاني الدار — الورقة ١١٩ من ٦٧٠.

45

ج ١ · ص ١٢٠

أن تسمع الصم؟ " وأن يجعل في ظنه أنه يستطيع إسماعهم، بمثابة من يظن أنه قد أوتي قدرة على إسماع الصم.

ومن لطيف ذلك قول ابن أبي عيينة1:

فدع الوعيد فما وعيدك ضائري ... أطنين أجنحة الذباب يضير2؟

جعله كأنه قد ظن أن طنين أجنحة الذباب بمثابة ما يضير، حتى ظن أن وعيده يضير.

تفسير تقديم المفعول على المضارع، وهو فعل لم يكن:

واعلم أن حال المفعول فيما ذكرنا كحال الفاعل، أعني تقديم إسم المفعول يقتضي أن يكون الإنكار في طريق الإحالة والمنع من أن يكون3، بمثابة أن يوقع به مثل ذلك الفعل، فإذا قلت: "أزيدا تضرب؟ "، كنت قد أنكرت أن يكون "زيد" بمثابة أن يضرب، أو بموضع أن يجترأ عليه ويستجاز ذلك فيه، ومن أجل ذلك قدم "غير" في قوله تعالى: {قل أغير الله أتخذ وليا} [الأنعام: 14] وقوله عز وجل: {قل أرأيتكم إن أتاكم عذاب الله أو أتتكم الساعة أغير الله تدعون} [الأنعام: 40]، وكان له من الحسن والمزية والفخامة، ما تعلم أنه لا يكون لو أخر فقيل: "قل أأتخذ غير الله وليا".

46

ج ١ · ص ١٢١

و "أتدعون غير الله؟ "1 وذلك لأنه قد حصل بالتقديم معنى قولك: "أيكون غير الله بمثابة أن يتخذ وليا؟ وأيرضى عاقل من نفسه أن يفعل ذلك؟ وأيكون جهل أجهل وعمى أعمى من ذلك؟ "، ولا يكون شيء من ذلك إذا قيل: "أأتخذ غير الله وليا". وذلك لأنه حينئذ يتناول الفعل أن يكون فقط، ولا يزيد على ذلك، فاعرفه.

وكذلك الحكم في قوله تعالى: {فقالوا أبشرا منا واحدا نتبعه} [القمر: 24] 2، وذلك لأنهم كفرهم على أن من كان مثلهم بشرا، لم يكن بمثابة أن يتبع ويطاع، وينتهى إلى ما يأمر، ويصدق أنه مبعوث من الله تعالى، وأنهم مأمورون بطاعته، كما جاء في الأخرى: {إن أنتم إلا بشر مثلنا تريدون أن تصدونا} [إبراهيم: 10]، وكقوله عز وجل {ما هذا إلا بشر مثلكم يريد أن يتفضل عليكم ولو شاء الله لأنزل ملائكة} [المؤنون: 24].

فهذا هو القول في الضرب الأول، وهو أن يكون "يفعل" بعد الهمزة لفعل لم يكن.

معنى التقديم والفعل موجود:

وأما الضرب الثاني، وهو أن يكون "يفعل" لفعل موجود، فإن تقديم الاسم يقتضي شبها بما اقتضاه في "الماضي"3، من الأخذ بأن يقر أنه الفاعل، أو الإنكار أن يكون الفاعل.

ت. محمود محمد شاكر أبو فهر — مطبعة المدني بالقاهرة - دار المدني بجدة — الثالثة ١٤١٣هـ - ١٩٩٢م