النوع السابع والثلاثون: في حكم الآيات المتشابهات الواردة في الصفات
ج ٢ · ص ١٢٤
لا خلاف أن كل ما هو من القرآن يجب أن يكون متواترا في أصله وأجزائه وأما في محله ووضعه وترتيبه فعند المحققين من علماء أهل السنة كذلك أي يجب أن يكون متواترا فإن العلم اليقيني حاصل أن العادة قاضية بأن مثل هذا الكتاب العزيز الذي لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه وأنه الهادي للخلق إلى الحق المعجز الباقي على صفحات الدهر الذي هو أصل الدين القويم والصراط المستقيم فمستحيل ألا يكون متواترا في ذلك كله إذ الدواعي تتوافر على نقله على وجه التواتر وكيف لا وقد قال تعالى: {إنا نحن نزلنا الذكر وإنا له لحافظون} والحفظ إنما يتحقق بالتواتر وقال تعالى: {يا أيها الرسول بلغ ما أنزل إليك من ربك وإن لم تفعل فما بلغت رسالته} والبلاغ العام إنما هو بالتواتر فما لم يتواتر مما نقل آحادا نقطع بأنه ليس من القرآن
وذهب كثير من الأصوليين إلى أن التواتر شرط في ثبوت ما هو من القرآن بحسب أصله وليس بشرط في محله ووضعه وترتيبه بل يكثر فيها نقل الآحاد وهو الذي يقتضيه صنع الشافعي في إثبات البسملة من كل سورة ورد بأن الدليل السابق يقتضي التواتر في الجميع ولأنه لو لم يشترط لجاز سقوط
ج ٢ · ص ١٢٥
كثير من القرآن المكرر وثبوت كثير مما ليس بقرآن
أما الأول: فلأنا لو لم نشترط التواتر في المحل جاز ألا يتواتر كثير من المتكررات الواقعة في القرآن مثل: {فبأي آلاء ربكما تكذبان} و {ويل يومئذ للمكذبين}
وأما الثاني: فلأنه إذا لم يتواتر بعض القرآن بحسب المحل جاز إثبات ذلك البعض في الموضع بنقل الآحاد وقال القاضي أبو بكر في الانتصار: ذهب قوم من الفقهاء والمتكلمين إلى إثبات قرآن حكما لا علما بخبر الواحد دون الاستفاضة وكره ذلك أهل الحق وامتنعوا منه
وقال قوم من المتكلمين: إنه يسوغ إعمال الرأي والاجتهاد في إثبات قراءة وأوجه وأحرف إذا كانت تلك الأوجه صوابا في اللغة العربية وإن لم يثبت أن النبي صلى الله عليه وملم قرأها بخلاف موجب رأي القياسيين واجتهاد المجتهدين وأبى ذلك أهل الحق وأنكروه وخطأوا من قال بذلك وصار إليه
قال القاضي: وقد رد الله عنه طعن الطاعنين واختلاف الضالين وليس المعتبر في العلم بصحة النقل والقطع على فنونه بألا يخالف فيه مخالف وإنما المعتبر في ذلك مجيئه عن قوم بهم ثبت التواتر وتقوم الحجة سواء اتفق على نقلهم أو اختلف فيه ولهذا لا يبطل النقل إذا ظهر واستفاض واتفق عليه إذا حدث خلاف في صحته لم يكن من قبل وبذلك يسقط اعتراض الملحدين في القرآن وذلك دليل على صحة نقل القرآن