النوع الخامس والثلاثون: معرفة موهم المختلف
ج ٢ · ص ١٠٩
فصل
اعلم أنه سبحانه تحداهم أولا في الإتيان بمثله فقال: {قل لئن اجتمعت الإنس والجن على أن يأتوا بمثل هذا القرآن لا يأتون بمثله ولو كان بعضهم لبعض ظهيرا} ثم تحداهم بعشر سور منه وقطع عذرهم بقوله: {قل فأتوا بعشر سور مثله مفتريات} وإنما قال: {مفتريات} من أجل أنهم قالوا لا علم لنا بما فيه من الأخبار الخالية والقصص البالغة فقيل لهم: مفتريات إزاحة لعللهم وقطعا لأعذارهم فعجزوا فردهم من العشر إلى سورة واحدة من مثله مبالغة في التعجيز لهم فقال: {وإن كنتم في ريب مما نزلنا على عبدنا فأتوا بسورة من مثله وادعوا شهداءكم من دون الله إن كنتم صادقين} أي يشهدون لكم أنها في نظمه وبلاغته وجزالته فعجزوا فقال تعالى: {فإن لم تفعلوا ولن تفعلوا} مبالغة في التعجيز وإفحاما لهم {اتقوا النار} وهذه مبالغة في الوعيد مع أن اللغة لغتهم والكلام كلامهم وناهيك بذلك أن الوليد بن المغيرة- لعنه الله- كان سيد قريش وأحد فصحائهم لما سمعه أخرس لسانه وبلد جنانه وأطفئ بيانه وقطعت حجته وقصم ظهره وظهر عجزه وذهل عقله حتى قال: فد عرفنا الشعر كله هزجه ورجزه وقريضه ومقبوضه ومبسوطه فما هو بالشعر! قالت له قريش: فساحر قال: وما هو بساحر قد رأينا السحار وسحرهم فما هو بنفثه ولا عقده والله إن لقوله لحلاوة وإن عليه لطلاوة وإن أسفله لمغدق وإن أعلاه لمثمر
ج ٢ · ص ١١٠
وإنه ليعلو ولا يعلى سمعت قولا يأخذ القلوب قالوا: مجنون قال: لا، والله ما هو بمجنون ولا بخنقه ولا بوسوسته ولا رعشته قالوا: كاهن قال: قد رأينا الكهان فما هو بزمزمة الكهان ولا بسجعهم ثم حملته الحمية فنكص على عقبيه وكابر حسه فقال: {إن هذا إلا سحر يؤثر إن هذا إلا قول البشر}
مسألة في أن التحدي إنما وقع للإنس دون الجن
التحدي إنما وقع للإنس دون الجن لأن الجن ليسوا من أهل اللسان العربي الذي جاء القرآن على أساليبه وإنما ذكروا في قوله: {قل لئن اجتمعت الإنس والجن} تعظيما لإعجازه لأن الهيئة الاجتماعية لها من القوة ما ليس للأفراد فإذا فرض اجتماع جميع الإنس والجن وظاهر بعضهم بعضا وعجزوا عن المعارضة كان الفريق الواحد أعجز ونظيره في الفقه تقدم الأخ الشقيق على الأخ للأب في ولاية النكاح مع أن الأمومة ليس لها مدخل في النكاح
فصل في أنه هل يعلم إعجاز القرآن ضرورة
قال القاضي: ذهب أبو الحسن الأشعري إلى أن ظهور ذلك على النبي صلى الله عليه