النوع الثامن والعشرون: هل في القرآن شيء أفضل من شيء
ج ١ · ص ٤٨٦
والزجر والاعتبار والتقرير وترتيب المراد للعقل وتصويره في صورة المحسوس بحيث يكون نسبته للفعل كنسبة المحسوس إلى الحس وتأتي أمثال القرآن مشتملة على بيان تفاوت الأجر وعلى المدح والذم وعلى الثواب والعقاب وعلى تفخيم الأمر أو تحقيره وعلى تحقيق أمر وإبطال أمر قال تعالى: {وضربنا لكم الأمثال} فامتن علينا بذلك لما تضمنت هذه الفوائد وقال تعالى: {ولقد ضربنا للناس في هذا القرآن من كل مثل} وقال {وتلك الأمثال نضربها للناس وما يعقلها إلا العالمون}
والأمثال مقادير الأفعال والمتمثل كالصانع الذي يقدر صناعته كالخياط يقدر الثوب على قامة المخيط ثم يفريه ثم يقطع وكل شيء به قالب ومقدار وقالب الكلام ومقداره الأمثال
وقال الخفاجي: سمي مثلا لأنه ماثل بخاطر الإنسان أبدا أي شاخص فيتأسى به ويتعظ ويخشى ويرجو والشاخص المنتصب وقد جاء بمعنى الصفة كقوله تعالى: {ولله المثل الأعلى} أي الصفة العليا وهو قول لا إله إلا الله وقوله: {مثل الجنة التي وعد المتقون} أي صفتها
ومن حكمته تعليم البيان وهو من خصائص هذه الشريعة والمثل أعون شيء على البيان
فإن قلت: لماذا كان المثل عونا على البيان وحاصله قياس معنى بشيء من عرف ذلك المقيس فحقه الاستغناء عن شبيهه ومن لم يعرفه لم يحدث التشبيه عنده معرفة
ج ١ · ص ٤٨٧
والجواب أن الحكم والأمثال تصور المعاني تصور الأشخاص فإن الأشخاص والأعيان أثبت في الأذهان لاستعانة الذهن فيها بالحواس بخلاف المعاني المعقولة فإنها مجردة عن الحس ولذلك دقت ولا ينتظم مقصود التشبيه والتمثيل إلا بأن يكون المثل المضروب مجربا مسلما عند السامع
وفي ضرب الأمثال من تقرير المقصود مالا يخفى إذ الغرض من المثل تشبيه الخفي بالجلي والشاهد بالغائب فالمرغب في الإيمان مثلا إذا مثل له بالنور تأكد في قلبه المقصود والمزهد في الكفر إذا مثل له بالظلمة تأكد قبحه في نفسه
وفيه أيضا تبكيت الخصم وقد أكثر تعالى في القرآن وفى سائر كتبه من الأمثال وفي سور الإنجيل سورة الأمثال
قال الزمخشري: التمثيل إنما يصار إليه لكشف المعاني وإدناء المتوهم من المشاهد فإن كان المتمثل له عظيما كان المتمثل به مثله وإن كان حقيرا كان المتمثل به كذلك فليس العظم والحقارة في المضروب به المثل إلا بأمر استدعته حال الممثل له ألا ترى أن الحق لما كان واضحا جليا تمثل له بالضياء والنور وأن الباطل لما كان بضده تمثل له بالظلمة وكذلك جعل بيت العنكبوت مثلا في الوهن والضعف
والمثل هو المستغرب قال الله تعالى: {ولله المثل الأعلى} وقال تعالى: {مثل الجنة التي وعد المتقون} ولما كان المثل السائر فيه غرابة استعير لفظ المثل للحال أو الصفة أو القصة إذا كان لها شأن وفيها غرابة