تخطَّ إلى المحتوى

كتبٌ تُقرأ لا تُتصفَّح

النوع الثامن: في خواتم السور — البرهان في علوم القرآن

من البرهان في علوم القرآن لـأبو عبد الله بدر الدين محمد بن عبد الله بن بهادر الزركشي — الورقة ٢٢٩ من ١٬٩٢٦.

النوع الثامن: في خواتم السور

ج ١ · ص ٢٢٨

وأخرج النسائي في التفسير من جهة حسان عن سعيد بن جبير عن ابن عباس قال: فصل القرآن من الذكر فوضع في بيت العزة من السماء الدنيا فجعل جبريل ينزل به على النبي صلى الله عليه وسلم وإسناده صحيح وحسان هو ابن أبي الأشرس وثقه النسائي وغيره

وبالثاني: قال مقاتل والإمام أبو عبد الله الحليمي في المنهاج والماوردي في تفسيره

وبالثالث: قال الشعبي وغيره

واعلم أنه اتفق أهل السنة على أن كلام الله منزل واختلفوا في معنى الإنزال فقيل معناه إظهار القرآن وقيل: إن الله أفهم كلامه جبريل وهو في السماء وهو عال من المكان وعلمه قراءته ثم جبريل أداه في الأرض وهو يهبط في المكان

والتنزيل له طريقان: أحدهما أن رسول الله صلى الله عليه وسلم انخلع من صورة البشرية إلى صورة الملائكة وأخذه من جبريل

والثاني: أن الملك انخلع إلى البشرية حتى يأخذ الرسول منه والأول أصعب الحالين

ونقل بعضهم عن السمرقندي حكاية ثلاثة أقوال في المنزل على النبي صلى الله عليه وسلم ما هو

أحدها أنه اللفظ والمعنى وأن جبريل حفظ القرآن من اللوح المحفوظ ونزل به وذكر بعضهم أن أحرف القرآن في اللوح المحفوظ كل حرف منها بقدر جبل قاف وأن تحت كل حرف معان لا يحيط بها إلا الله عز وجل وهذا معنى قول الغزالي إن هذه الأحرف سترة لمعانيه

ج ١ · ص ٢٢٩

والثاني: أنه إنما نزل جبريل على النبي صلى الله عليه وسلم بالمعاني خاصة وأنه صلى الله عليه وسلم علم تلك المعاني وعبر عنها بلغة العرب وإنما تمسكوا بقوله تعالى: {نزل به الروح الأمين على قلبك}

والثالث: أن جبريل صلى الله عليه وسلم إنما ألقى عليه المعنى وأنه عبر بهذه الألفاظ بلغة العرب وأن أهل السماء يقرءونه بالعربية ثم إنه أنزل به كذلك بعد ذلك

فإن قيل: ما السر في إنزاله جملة إلى السماء قيل فيه تفخيم لأمره وأمر من نزل عليه وذلك بإعلان سكان السموات السبع أن هذا آخر الكتب المنزلة على خاتم الرسل لأشرف الأمم ولقد صرفناه إليهم لينزله عليهم ولولا أن الحكمة الإلهية اقتضت نزوله منجما بسبب الوقائع لأهبطه إلى الأرض جملة

فإن قيل: في أي زمان نزل جملة إلى سماء الدنيا بعد ظهور نبوة محمد صلى الله عليه وسلم أم قبلها قلت قال الشيخ أبو شامة الظاهر أنه قبلها وكلاهما محتمل فإن كان بعدها فوجه التفخيم منه ما ذكرناه وإن كان قبلها ففائدته أظهر وأكثر

فإن قلت: فقوله {إنا أنزلناه في ليلة القدر} من جملة القرآن الذي نزل جملة أم لا فإن لم يكن منه فما نزل جملة؟ وإن كان منه فما وجه صحة هذه العبارة قلت ذكر فيه وجهين أحدهما أن يكون معنى الكلام ما حكمنا بإنزاله في القدر وقضائه وقدرناه في الأزل ونحو ذلك

والثاني أن لفظه لفظ الماضي ومعناه الاستقبال أي ينزل جملة في ليلة مباركة هي ليلة القدر واختير لفظ الماضي إما لتحققه وكونه لا بد منه وإما لأنه حال اتصاله بالمنزل عليه يكون المضي في معناه محققا لأن نزوله منجما كان بعد نزوله جملة

ت. محمد أبو الفضل إبراهيم — دار إحياء الكتب العربية عيسى البابى الحلبي وشركائه — الأولى، ١٣٧٦ هـ - ١٩٥٧ م