تابع النوع السادس والأربعون
ج ٣ · ص ١٠٣
فأما إذا لم يتغير به حكم كقولك زيد منطلق وعمرو بحذف الخبر فلا يكون مجازا إذا لم يتغير حكم ما بقي من الكلام.
والتحقيق أنه إن أريد بالمجاز استعمال اللفظ في غير موضعه فالمحذوف ليس كذلك لعدم استعماله وإن أريد بالمجاز إسناد الفعل إلى غيره - وهو المجاز العقلي - فالحذف كذلك.
فصل: في أن الحذف خلاف الأصل.
والحذف خلاف الأصل وعليه ينبني فرعان:.
أحدهما: إذا دار الأمر بين الحذف وعدمه كان الحمل على عدمه أولى لأن الأصل عدم التغيير.
والثاني: إذا دار الأمر بين قلة المحذوف وكثرته كان الحمل على قلته أولى.
أوجه الكلام على الحذف.
ويقع الكلام في الحذف من خمسة أوجه في فائدته وفي أسبابه ثم في أدلته ثم في شروطه ثم في أقسامه.
فوائد الحذف.
الوجه الأول: في فوائده:.
فمنها: التفخيم والإعظام، لما فيه من الإبهام لذهاب الذهن في كل مذهب وتشوفه إلى ما هو المراد فيرجع قاصرا عن إدراكه فعند ذلك يعظم شأنه ويعلو في النفس مكانه ألا ترى أن المحذوف إذا ظهر في اللفظ زال ما كان يختلج في الوهم من المراد وخلص للمذكور!.
ج ٣ · ص ١٠٤
ومنها: زيادة لذة بسبب استنباط الذهن للمحذوف وكلما كان الشعور بالمحذوف أعسر كان الالتذاذ به أشد وأحسن.
ومنها: زيادة الأجر بسبب الاجتهاد في ذلك بخلاف غير المحذوف كما تقول في العلة المستنبطة والمنصوصة.
ومنها: طلب الإيجاز والاختصار وتحصيل المعنى الكثير في اللفظ القليل.
ومنها: التشجيع على الكلام ومن ثم سماه ابن جني: [شجاعة العربية] .
ومنها: موقعه في النفس في موقعه على الذكر ولهذا قال شيخ الصناعتين عبد القاهر الجرجاني: ما من اسم حذف في الحالة التي ينبغي أن يحذف فيها إلا وحذفه أحسن من ذكره. ولله در القائل:
إذا نطقت جاءت بكل مليحة وإن سكتت جاءت بكل مليح
أسباب الحذف
الثاني: في أسبابه:.
فمنها: مجرد الاختصار والاحتراز عن العبث بناء على الظاهر نحو الهلال والله أي هذا فحذف المبتدأ استغناء عنه بقرينة شهادة الحال إذ لو ذكره مع ذلك لكان عبثا من القول.
ومنها: التنبيه على أن الزمان يتقاصر عن الإتيان بالمحذوف وأن الاشتغال بذكره يفضي إلى تفويت المهم وهذه هي فائدة باب التحذير، نحو: إياك والشر والطريق الطريق الله الله وباب الإغراء هو لزوم أمر يحمد به وقد اجتمعا في قوله تعالى: {ناقة الله وسقياها} على التحذير أي احذروا ناقة الله فلا تقربوها و [سقياها] إغراء بتقدير الزموا ناقة الله.
ومنها: التفخيم والإعظام قال حازم في [منهاج البلغاء] : إنما يحسن الحذف ما لم.