تابع النوع السادس والأربعون
ج ٣ · ص ٨٧
لما بعده والانهماك في الدنيا وهي من أمارات إنكار الموت فلهذا قال: [ميتون] ولم يقل: تموتون وإنما أكد إثبات البعث الذي أنكروه تأكيدا واحدا لظهور أدلته المزيلة للإنكار إذا تأملوا فيها ولهذا قيل: تبعثون على الأصل، وهو الاستقبال بخلاف [تموتون] .
الثاني: أن دخول اللام على ميتون أحق لأنه تعالى يرد على الدهرية القائلين ببقاء النوع الإنساني خلفا عن سلف وقد أخبر تعالى عن البعث في مواضع من القرآن وأكده وكذب منكره كقوله: {زعم الذين كفروا أن لن يبعثوا قل بلى وربي لتبعثن} قاله الشيخ تاج الدين بن الفركاح.
الثالث: أنه لما كان العطف يقتضي الاشتراك في الحكم استغني به عن إعادة لفظ اللام وكأنه قيل: [لتبعثون] واستغني بها في الثاني لذكرها في الأول.
الرابع: قال الزمخشري بولغ في تأكيد الموت تنبيها للإنسان أن يكون الموت نصب عينيه ولا يغفل عن ترقبه فإن مآله إليه فكأنه أكدت جملته ثلاث مرات لهذا المعنى لأن الإنسان في الدنيا يسعى فيها غاية السعي كأنه مخلد ولم يؤكد جملة البعث إلا ب[إن] لأنه أبرز بصورة المقطوع به الذي لا يمكن فيه نزاع ولا يقبل إنكارا.
قلت: هذه الأجوبة من جهة المعنى وأما الصناعة فتوجب ما جاءت الآية الشريفة عليه وهو حذف اللام في [تبعثون] لأن اللام تخلص المضارع للحال فلا يجاء به مع يوم القيامة لأنه مستقبل ولأن تبعثون عامل في الظرف المستقبل.
وأما قوله: {وإن ربك ليحكم بينهم} فيمكن تأويلها بتقدير عامل.
ج ٣ · ص ٨٨
ونظير هذا آية الواقعة وهي قوله سبحانه: {لو نشاء لجعلناه حطاما فظلتم تفكهون} . وقال سبحانه في الماء: {لو نشاء جعلناه أجاجا} بغير لام، والفرق بينهما من أربعة أوجه:.
أحدها: أن صيرورة الماء ملحا أسهل وأكثر من جعل الحرث حطاما إذ الماء العذب يمر بالأرض السبخة فيصير ملحا فالتوعد به لا يحتاج إلى تأكيد وهذا كما أن الإنسان إذا توعد عبده بالضرب بعصا ونحوه لم يحتج إلى توكيد وإذا توعد بالقتل احتاج إلى تأكيد.
والثاني: إن جعل الحرث حطاما قلب للمادة والصورة وجعل الماء أجاجا قلب للكيفية فقط وهو أسهل وأيسر.
الثالث: أن [لو] لما كانت داخلة على جملتين معلقة ثانيتهما بالأولى تعليق الجزاء [بالشرط] أتى باللام علما على ذلك ثم حذف الثاني للعلم بها لأن الشيء إذا علم [وشهر موقعه وصار مألوفا ومأنوسا به] لم يبال بإسقاطه عن اللفظ [استغناء بمعرفة السامع] ويساوي لشهرته حذفه وإثباته مع ما في حذفه من خفة اللفظ ورشاقته لأن تقدم ذكرها - والمسافة قصيرة - يغني عن ذكرها ثانيا.
الرابع: أن اللام أدخلت في آية المطعوم للدلالة على أنه يقدم على أمر المشروب وأن الوعيد بفقده أشد وأصعب من قبل أن المشروب إنما يحتاج إليه تبعا للمطعوم ولهذا قدمت آية المطعوم على آية المشروب ذكرها والذي قبله الزمخشري.
ومن ذلك حذف اللام في قوله تعالى: {يسألونك عن الأنفال قل الأنفال لله.