تابع النوع السادس والأربعون
ج ٣ · ص ٥٣
وقيل: إنما نزلت: {ولو أنما في الأرض من شجرة أقلام} .
قال المفسرون: والغرض من ذلك الإعلام بكثرة كلماته وهي في نفسها غير متناهية وإنما قرب الأمر على أفهام البشر بما يتناهى لأنه غاية ما يعهده البشر من الكثرة.
وقال بعض المحققين: إن ما تضمنت الآية أن كلمات الله تعالى لم تكن لتنفد ولم تقتض الآية أنها تنفد بأكثر من هذه الأقلام والبحور وكما قال الخضر عليه السلام: " ما نقص علمي وعلمك من علم الله إلا كما نقص هذا العصفور من ماء البحر حين غمس منقاره فيها ".
وعد بعضهم من هذا القبيل ما جاء من المبالغة في القرآن من الإغضاء عن العيوب والصفح عن الذنوب والتغافل عن الزلات والستر على أهل المروءات كقوله تعالى لنبيه صلى الله عليه وسلم: {خذ العفو وأمر بالعرف وأعرض عن الجاهلين} .
وقيل في تفسيره: أن تصل من قطعك وتعطي من حرمك وتعفو عمن ظلمك.
وقوله تعالى: {ادفع بالتي هي أحسن} الآية.
ج ٣ · ص ٥٤
تنبيه:.
تحصل مما سبق أن قصد المبالغة يستلزم في الحال الإيجاز إما بالحذف وإما بحجل الشيء نفس الشيء أو يتكرر لفظ يتم بتكرره التهويل والتعظيم ويقوم مقام أوصاف كقوله تعالى: {الحاقة ما الحاقة} .
وقد نص سيبويه على هذا كله في مواضع شتى من كتابه لافتراقها في أحكام.
فائدة.
[في اختلاف الأقوال في تقدير المبالغة في الكلام] .
اختلف في المبالغة على أقوال:.
أحدها: إنكار أن تكون من محاسن الكلام لاشتمالها على الاستحالة.
والثاني: أنها الغاية في الحسن وأعذب الكلام ما بولغ فيه وقد قال النابغة:
لنا الجفنات الغر يلمعن في الضحى ... وأسيافنا يقطرن من نجدة دما
والثالث: وهو الأصح أنها من محاسن الكلام ولا ينحصر الحسن فيها فإن فضيلة الصدق لا تنكر ولو كانت معيبة لم ترد في كلام الله تعالى ولها طريقان:.
أحدهما: أن يستعمل اللفظ في غير معناه لغة كما في الكناية والتشبيه والاستعارة وغيرها من أنواع المجاز والثاني: أن يشفع ما يفهم المعنى بالمعنى على وجه يتقضى زيادة فتترادف الصفات.