تخطَّ إلى المحتوى

كتبٌ تُقرأ لا تُتصفَّح

فصل في وصف وجوه من البلاغة — إعجاز القرآن للباقلاني

من إعجاز القرآن للباقلاني لـأبو بكر الباقلاني محمد بن الطيب — الورقة ٩٧ من ١٠٤.

فصل في وصف وجوه من البلاغة

/ والقدر الذي يفوت الحد في البيان، ويتجاوز الوهم (4) ، ويشذ عن الصنعة، ويقذفه الطبع في النادر القليل، كالبيت البديع، والقطعة الشريفة التي

تتفق في ديوان شاعر (5) ، والفقرة تتفق في رسالة (6) كاتب، حتى يكون الشاعر ابن بيت أو بيتين، أو قطعة أو قطعتين، والاديب شهير (7) كلمة أو كلمتين - ذلك أمر قليل (8) .

ولو كان كلامه كله يطرد على ذلك المسلك، ويستمر على ذلك المنهج أمكن أن يدعي فيه الإعجاز.

ولكنك إن كنت من أهل الصنعة: تعلم قلة الأبيات الشوارد، والكلمات الفرائد (9) ، وأمهات القلائد.

فإن أردت أن تجد قصيدة كلها وحشية، وأردت أن تراها مثل بيت من أبياتها مرضية - لم تجد ذلك في الدواوين، ولم تظفر بذلك إلى يوم الدين.

ونحن لم ننكر أن يستدرك البشر كلمة شريفة، ولفظة بديعة، وإنما أنكرنا أن يقدروا على مثل نظم سورة أو (10) نحوها، وأحلنا أن / يتمكنوا من حد في البلاغة، ومقدار في الخطابة.

وهذا كما قلناه: من (11) أن صورة الشعر قد تتفق في القرآن، وإن لم يكن له حكم الشعر.

* * * فأما قدر المعجز فقد بينا أنها السورة، طالت أو قصرت، وبعد ذلك خلاف: من (1) الناس من قال: مقدار كل سورة أو أطول أية، فهو معجز.

وعندنا كل واحد من الأمرين معجز، والدلالة عليه ما تقدم (2) ، والبلاغة لا تتبين بأقل من ذلك، فلذلك لم نحكم بإعجازه، وما صح أن تتبين فيه (3) البلاغة، ومحصولها الإبانة في الإبلاغ عن ذات النفس على أحسن معنى وأجزل لفظ، وبلوغ الغاية في المقصود بالكلام.

فإذا بلغ الكلام غايته في هذا المعنى، كان بالغا وبليغا.

فإذا (4) تجاوز حد البلاغة إلى حيث لا يقدر عليه أهل الصناعة، وانتهى إلى أمد (5) يعجز عنه الكامل في البراعة - صح أن يكون له حكم المعجزات، وجاز أن يقع موقع الدلالات.

/ وقد ذكرنا أنه بجنسه (6) وأسلوبه مباين لسائر كلامهم، ثم بما يتضمن من تجاوزه في البلاغة الحد الذى يقدر عليه البشر.

* * * فإن قيل: فإذا (7) كان يجوز عندكم أن يتفق في شعر الشاعر قطعة عجيبة شاردة، تباين جميع ديوانه في البلاغة، ويقع في ديوانه بيت واحد يخالف (8) مألوف طبعه، ولا يعرف سبب ذلك البيت، ولا تلك القطعة في التفصيل، ولو أراد

أن يأتي بمثل ذلك أو يجعل (9) جميع كلامه من ذلك النمط، لم يجد إلى ذلك سبيلا، وله سبب في الجملة وهو التقدم في الصنعة، لانه (10) يتفق من المتأخر فيها - فهلا قلتم: إنه إذا بلغ في العلم بالصناعة مبالغه القصوى (11) ،

كان جميع كلامه من نمط ذلك البيت وسمت تلك القطعة؟ وهلا قلتم: إن القرآن من هذا الباب؟ فالجواب: أنا لم نجد أحدا بلغ الحد الذي وصفتم في العادة.

وهذا الناس وأهل البلاغة أشعارهم عندنا محفوظة، وخطبهم منقولة، ورسائلهم مأثورة، وبلاغاتهم مروية، وحكمهم مشهورة، وكذلك أهل / الكهانة والبلاغة، مثل قس بن ساعدة، وسحبان وائل، ومثل (1) شق، وسطيح، وغيرهم - كلامهم معروف عندنا، وموضوع بين أيدينا، لا يخفى علينا في الجملة بلاغة

بليغ، ولا خطابة خطيب، ولا براعة شاعر مفلق، ولا كتابة كاتب مدقق.

فلما لم نجد في شئ من ذلك ما يداني القرآن في البلاغة، أو يشاكله في الإعجاز، مع ما وقع من التحدي إليه المدة الطويلة، وتقدم من التقريع في المجازاة (2) الأمد المديد، وثبت له وحده خاصة قصب السبق، والاستيلاء على الامد (3) ، وعجز الكل عنه، ووقفوا دونه حيارى، يعرفون عجزهم، وإن جهل قوم سببه، ويعلمون نقصهم، وإن أغفل قوم وجهه - رأينا أنه ناقض للعادة، ورأينا (4) أنه خارق للمعروف في الجبلة (5) .

وخرق العادة إنما يقع بالمعجزات على وجه إقامة البرهان على النبوات، وعلى أن من ظهرت عليه، ووقعت موقع الهداية إليه، صادق فيما يدعيه من نبوته، ومحق في قوله، ومصيب في هديه، قد شهدت (6) له الحجة البالغة، والكلمة التامة، والبرهان النير، والدليل البين.

/ فصل في حقيقة المعجز (1) معنى قولنا: " إن القرآن معجز " على أصولنا: أنه لا يقدر العباد عليه.

وقد ثبت أن المعجز الدال على صدق النبي، صلى الله عليه وسلم، لا يصح دخوله

تحت قدرة (2) العباد، وإنما ينفرد الله تعالى بالقدرة عليه، ولا يجوز أن يعجز العباد عما تستحيل قدرتهم عليه، كما يستحيل عجزهم عن فعل الأجسام، فنحن لا نقدر على (3) ذلك وإن لم يصح وصفنا بأنا عاجزون عن ذلك حقيقة، وكذلك معجزات سائر الانبياء على هذا.

فلما لم يقدر عليه أحد شبه بما يعجز عنه العاجز، وإنما لا يقدر العباد على (4) الإتيان بمثله، لأنه لو صح أن يقدروا عليه بطلت (5) دلالة المعجز، وقد أجرى [الله] (6) العادة بأن يتعذر فعل ذلك منهم (7) ، وأن لا يقدروا عليه.

/ ولو كان غير خارج عن العادة لاتوا بمثله، أو عرضوا (8) عليه من كلام فصحائهم وبلغائهم، ما يعارضه.

فلما لم يشتغلوا بذلك، علم أنهم فطنوا لخروج (9) ذلك عن أوزان كلامهم، وأساليب نظامهم، وزالت أطماعهم عنه.

وقد كنا بينا أن التواضع ليس يجب أن يقع على قول الشعر (10) ووجوه النظم المستحسنة في الاوزان المطربة للسمع، لا يحتاج في مثله إلى توقيف، وأنه يتبين أن مثل ذلك يجري في الخطاب، فلما جرى فيه فطنوا له واختاروه [وطلبوه] (11) .

، وطلبوا أنواع الأوزان والقوافي، ثم وقفوا (12) على حسن ذلك وقدروا عليه، بتوفيق الله عز وجل (13) ، وهو الذي جمع خواطرهم عليه، وهداهم له (14)

وهيأ دواعيهم إليه، ولكنه أقدرهم على حد محدود، وغاية في العرف مضروبة، لعلمه بأنه (1) سيجعل القرآن معجزا، ودل على عظم (2) شأنه بأنهم قدروا على ما بينا من التأليف، وعلى ما وصفنا من النظم.

/ من غير توقيف ولا اقتفاء (3) أثر، ولا تحد إليه ولا تقريع.

فلو كان هذا من ذلك القبيل، أو من الجنس الذي عرفوه وألفوه - لم تزل أطماعهم عنه، ولم يدهشوا عند وروده عليهم، فكيف (4) وقد أمهلهم وفسح لهم في الوقت، وكان يدعوا إليه سنين كثيرة، وقال عز من قائل: (أو لم نعمركم ما يتذكر فيه من تذكر وجاءكم النذير) (5) .

وبظهور العجز عنه بعد طول التقريع والتحدى، بان أنه خارج عن عاداتهم، وأنهم لا يقدرون عليه.

وقد ذكرنا أن العرب كانت تعرف ما يباين عادتها (6) من الكلام البليغ، لأن ذلك طبعهم ولغتهم، فلم يحتاجوا إلى تجربة عند سماع القرآن، وهذا في البلغاء منهم، دون المتأخرين في الصنعة.

والذي ذكرناه يدلك على أنه لا كلام أزيد في قدر البلاغة من القرآن.

وكل من.

جوز أن يكون للبشر قدرة على أن يأتوا بمثله في البلاغة - لم يمكنه أن يعرف أن القرآن معجز بحال.

/ ولو لم يكن جرى في المعلوم (7) أنه سيجعل القرآن معجزا، لكان (8) يجوز أن تجرى عادات (9) البشر بقدر زائد على ما ألفوه من البلاغة، وأمر يفوق ما عرفوه من الفصاحة.

وأما " نظم القرآن " فقد قال أصحابنا [فيه] (1) : إن الله تعالى يقدر على

نظم [هيئة أخرى تزيد في الفصاحة عليه، كما يقدر على مثله.

وأما بلوغ بعض (2) ] نظم (3) القرآن الرتبة (4) التى لا مزيد عليها، فقد (5) قال مخالفونا: إن هذا غير ممتنع، لأن فيه من الكلمات الشريفة، الجامعة للمعاني البديعة، وانضاف (6) إلى ذلك حسن الموقع، فيجب أن يكون قد بلغ النهاية، لأنه عندهم - وإن زاد على ما في العادة - / فإن الزائد عليها وإن تفاوت، فلا بد (7) من أن ينتهي إلى حد لا مزيد عليه.

والذى نقوله (8) : إنه لا يمتنع أن يقال: إنه يقدر الله تعالى على أن يأتي بنظم (9) أبلغ وأبدع (10) من القرآن كله.

ت. السيد أحمد صقر — دار المعارف - مصر — الخامسة، ١٩٩٧م