[فصل هديه صلى الله عليه وسلم في رقية النملة]
ج ٥ · ص ٣٧٤
النبي صلى الله عليه وسلم بقول القائف، ولو كانت كما يقول المنازعون من أمر الجاهلية كالكهانة ونحوها لما سر بها ولا أعجب بها، ولكانت بمنزلة الكهانة. وقد صح عنه وعيد من صدق كاهنا.
قال الشافعي: والنبي صلى الله عليه وسلم أثبته علما ولم ينكره، ولو كان خطأ لأنكره؛ لأن في ذلك قذف المحصنات ونفي الأنساب، انتهى.
كيف والنبي صلى الله عليه وسلم قد صرح في الحديث الصحيح بصحتها واعتبارها، فقال في ولد الملاعنة: ( «إن جاءت به كذا وكذا فهو لهلال بن أمية، وإن جاءت به كذا وكذا فهو لشريك ابن سحماء» ) فلما جاءت به على شبه الذي رميت به قال: ( «لولا الأيمان لكان لي ولها شأن» ) وهل هذا إلا اعتبار للشبه وهو عين القافة، فإن القائف يتبع أثر الشبه وينظر إلى من يتصل، فيحكم به لصاحب الشبه، وقد اعتبر النبي صلى الله عليه وسلم الشبه وبين سببه، ولهذا لما قالت له أم سلمة: أوتحتلم المرأة؟ فقال " مم يكون الشبه؟ ".
وأخبر في الحديث الصحيح ( «أن ماء الرجل إذا سبق ماء المرأة كان الشبه له، وإذا سبق ماؤها ماءه كان الشبه لها» )
فهذا اعتبار منه للشبه شرعا وقدرا، وهذا أقوى ما يكون من طرق الأحكام، أن يتوارد عليه الخلق والأمر والشرع والقدر، ولهذا تبعه خلفاؤه الراشدون في الحكم بالقافة.
قال سعيد بن منصور: حدثنا سفيان، عن يحيى بن سعيد، عن سليمان بن
ج ٥ · ص ٣٧٥
يسار، عن عمر في امرأة وطئها رجلان في طهر، فقال القائف: قد اشتركا فيه جميعا، فجعله بينهما.
قال الشعبي: وعلي يقول: (هو ابنهما وهما أبواه يرثانه) ذكره سعيد أيضا.
وروى الأثرم بإسناده، عن سعيد بن المسيب (في رجلين اشتركا في طهر امرأة فحملت فولدت غلاما يشبههما، فرفع ذلك إلى عمر بن الخطاب، فدعا القافة فنظروا فقالوا: نراه يشبههما، فألحقه بهما وجعله يرثهما ويرثانه) ولا يعرف قط في الصحابة من خالف عمر وعليا رضي الله عنهما في ذلك، بل حكم عمر بهذا في المدينة وبحضرته المهاجرون والأنصار فلم ينكره منهم منكر.
قالت الحنفية: قد أجلبتم علينا في القافة بالخيل والرجل، والحكم بالقيافة تعويل على مجرد الشبه والظن والتخمين، ومعلوم أن الشبه قد يوجد من الأجانب وينتفي عن الأقارب، وذكرتم قصة أسامة وزيد ونسيتم قصة الذي ولدت امرأته غلاما أسود يخالف لونهما فلم يمكنه النبي صلى الله عليه وسلم من نفيه ولا جعل للشبه ولا لعدمه أثرا، ولو كان للشبه أثر لاكتفى به في ولد الملاعنة، ولم يحتج إلى اللعان، ولكان ينتظر ولادته ثم يلحق بصاحب الشبه، ويستغني بذلك عن اللعان، بل كان لا يصح نفيه مع وجود الشبه بالزوج، وقد دلت السنة الصحيحة الصريحة على نفيه عن الملاعن، ولو كان الشبه له فإن النبي صلى الله عليه وسلم قال: ( «أبصروها فإن جاءت به كذا وكذا فهو لهلال بن أمية» ) وهذا قاله بعد اللعان ونفي النسب عنه، فعلم أنه لو جاء على الشبه المذكور لم يثبت نسبه منه، وإنما كان مجيئه على شبهه دليلا على كذبه، لا على لحوق الولد به. قالوا: وأما قصة أسامة وزيد فالمنافقون كانوا يطعنون في نسبه من زيد