تخطَّ إلى المحتوى

كتبٌ تُقرأ لا تُتصفَّح

[فصل هديه صلى الله عليه وسلم في التحرز من الأدواء المعدية بطبعها وإرشاده الأصحاء إلى مجانبة أهلها] — زاد المعاد في هدي خير العباد

من زاد المعاد في هدي خير العباد لـمحمد بن أبي بكر ابن قيّم الجوزية — الورقة ٢٬٢١٦ من ٢٬٦٢٨.

[فصل هديه صلى الله عليه وسلم في التحرز من الأدواء المعدية بطبعها وإرشاده الأصحاء إلى مجانبة أهلها]

ج ٥ · ص ٣٢٧

من الله حكما لقوم يوقنون. وقد ظهر بهذا أنه يمين فيها معنى الشهادة، وشهادة فيها معنى اليمين.

وأما حديث عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده، فما أبين دلالته لو كان صحيحا بوصوله إلى عمرو، ولكن في طريقه إلى عمرو مهالك ومفاوز. قال أبو عمر بن عبد البر: ليس دون عمرو بن شعيب من يحتج به.

وأما حديثه الآخر الذي رواه الدارقطني، فعلى طريق الحديث عثمان بن عبد الرحمن الوقاصي وهو متروك بإجماعهم، فالطريق به مقطوعة.

وأما حديث عبد الرزاق، فمراسيل الزهري عندهم ضعيفة، لا يحتج بها، وعتاب بن أسيد كان عاملا للنبي صلى الله عليه وسلم على مكة، ولم يكن بمكة يهودي ولا نصراني البتة حتى يوصيه أن لا يلاعن بينهما.

قالوا: وأما ردكم لقوله: ( «لولا ما مضى من الأيمان لكان لي ولها شأن» ) وهو حديث رواه أبو داود في " سننه " وإسناده لا بأس به، وأما تعلقكم فيه على عباد بن منصور فأكثر ما عيب عليه أنه قدري داعية إلى القدر، وهذا لا يوجب رد حديثه، ففي الصحيح الاحتجاج بجماعة من القدرية والمرجئة والشيعة، ممن علم صدقه، ولا تنافي بين قوله: " «لولا ما مضى من كتاب الله تعالى» " , و " «لولا ما مضى من الأيمان» " فيحتاج إلى ترجيح أحد اللفظين وتقديمه على الآخر، بل

ج ٥ · ص ٣٢٨

الأيمان المذكورة هي في كتاب الله، وكتاب الله تعالى حكمه الذي حكم به بين المتلاعنين، وأراد صلى الله عليه وسلم لولا ما مضى من حكم الله الذي فصل بين المتلاعنين لكان لها شأن آخر.

قالوا: وأما قولكم: إن قاعدة الشريعة استقرت على أن الشهادة في جانب المدعي واليمين في جانب المدعى عليه فجوابه من وجوه:

أحدها: أن الشريعة لم تستقر على هذا، بل قد استقرت في القسامة بأن يبدأ بأيمان المدعين، وهذا لقوة جانبهم باللوث، وقاعدة الشريعة أن اليمين تكون من جنبة أقوى المتداعيين، فلما كان جانب المدعى عليه قويا بالبراءة الأصلية شرعت اليمين في جانبه، فلما قوي جانب المدعي في القسامة باللوث كانت اليمين في جانبه، وكذلك على الصحيح لما قوي جانبه بالنكول صارت اليمين في جانبه، فيقال له: احلف واستحق، وهذا من كمال حكمة الشارع واقتضائه للمصالح بحسب الإمكان، ولو شرعت اليمين من جانب واحد دائما لذهبت قوة الجانب الراجح هدرا، وحكمة الشارع تأبى ذلك، فالذي جاء به هو غاية الحكمة والمصلحة.

وإذا عرف هذا، فجانب الزوج هاهنا أقوى من جانبها، فإن المرأة تنكر زناها وتبهته، والزوج ليس له غرض في هتك حرمته وإفساد فراشه ونسبة أهله إلى الفجور، بل ذلك أشوش عليه وأكره شيء إليه، فكان هذا لوثا ظاهرا، فإذا انضاف إليه نكول المرأة قوي الأمر جدا في قلوب الناس خاصهم وعامهم، فاستقل ذلك بثبوت حكم الزنى عليها شرعا، فحدت بلعانه، ولكن لما لم تكن أيمانه بمنزلة الشهداء الأربعة حقيقة كان لها أن تعارضها بأيمان أخرى مثلها يدرأ عنها بها العذاب؛ عذاب الحد المذكور في قوله تعالى: {وليشهد عذابهما طائفة من المؤمنين} [النور: 2] [النور: 2] ولو كان لعانه بينة حقيقة لما دفعت أيمانها عنها شيئا، وهذا يتضح بالفصل الثاني المستفاد من قضاء رسول الله صلى الله عليه وسلم، وهو أن المرأة إذا لم تلتعن فهل تحد أو تحبس حتى تقر أو تلاعن؟ فيه قولان للفقهاء:

فقال الشافعي وجماعة من السلف والخلف: تحد، وهو قول أهل الحجاز.

ط. مؤسسة الرسالة، بيروت — مكتبة المنار الإسلامية، الكويت · الطبعة السابعة والعشرون ١٤١٥هـ/١٩٩٤م