آداب السلام
ج ٣ · ص ١٧٦
وعض عليهما حتى سقطت ثنيتاه من شدة غوصهما في وجهه، وامتص مالك بن سنان والد أبي سعيد الخدري الدم من وجنته، وأدركه المشركون يريدون ما الله حائل بينهم وبينه، فحال دونه نفر من المسلمين نحو عشرة حتى قتلوا، ثم جالدهم طلحة حتى أجهضهم عنه، وترس أبو دجانة عليه بظهره، والنبل يقع فيه، وهو لا يتحرك، ( «وأصيبت يومئذ عين قتادة بن النعمان، فأتى بها رسول الله صلى الله عليه وسلم، فردها عليه بيده، وكانت أصح عينيه وأحسنهما» ) ، وصرخ الشيطان بأعلى صوته: إن محمدا قد قتل، ووقع ذلك في قلوب كثير من المسلمين، وفر أكثرهم وكان أمر الله قدرا مقدورا.
( «ومر أنس بن النضر بقوم من المسلمين قد ألقوا بأيديهم، فقال ما تنتظرون؟ فقالوا: قتل رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقال: ما تصنعون في الحياة بعده؟ قوموا فموتوا على ما مات عليه، ثم استقبل الناس، ولقي سعد بن معاذ
ج ٣ · ص ١٧٧
فقال: يا سعد إني لأجد ريح الجنة من دون أحد، فقاتل حتى قتل، ووجد به سبعون ضربة، وجرح يومئذ عبد الرحمن بن عوف نحوا من عشرين جراحة» ) .
وأقبل رسول الله صلى الله عليه وسلم نحو المسلمين وكان أول من عرفه تحت المغفر كعب بن مالك، فصاح بأعلى صوته يا معشر المسلمين، أبشروا هذا رسول الله صلى الله عليه وسلم، فأشار إليه أن اسكت، واجتمع إليه المسلمون ونهضوا معه إلى الشعب الذي نزل فيه، وفيهم أبو بكر، وعمر، وعلي، والحارث بن الصمة الأنصاري، وغيرهم، فلما استندوا إلى الجبل، أدرك رسول الله صلى الله عليه وسلم أبي بن خلف على جواد له يقال له: العوذ، زعم عدو الله أنه يقتل عليه رسول الله صلى الله عليه وسلم، فلما اقترب منه، تناول رسول الله صلى الله عليه وسلم الحربة من الحارث بن الصمة، فطعنه بها، فجاءت في ترقوته، فكر عدو الله منهزما، فقال له المشركون: والله ما بك من بأس، فقال: والله لو كان ما بي بأهل ذي المجاز، لماتوا أجمعون، وكان يعلف فرسه بمكة ويقول: أقتل عليه محمدا، فبلغ ذلك رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: ( «بل أنا أقتله إن شاء الله تعالى» ) ، فلما طعنه تذكر عدو الله قوله: أنا قاتله، فأيقن بأنه مقتول من ذلك الجرح، فمات منه في طريقه بسرف مرجعه إلى مكة.