تخطَّ إلى المحتوى

كتبٌ تُقرأ لا تُتصفَّح

[فصل من عظم مخلوقا بحيث أخرجه عن منزلة العبودية المحضة فقد أشرك] — زاد المعاد في هدي خير العباد

من زاد المعاد في هدي خير العباد لـمحمد بن أبي بكر ابن قيّم الجوزية — الورقة ١٬٩٦١ من ٢٬٦٢٨.

[فصل من عظم مخلوقا بحيث أخرجه عن منزلة العبودية المحضة فقد أشرك]

ج ٥ · ص ٧٢

الأموال التي كان النبي صلى الله عليه وسلم يقسمها ثلاثة: الزكاة، والغنائم، والفيء.

فأما الزكاة والغنائم فقد تقدم حكمهما، وبينا أنه لم يكن يستوعب الأصناف الثمانية، وأنه كان ربما وضعها في واحد.

وأما حكمه في الفيء فثبت في الصحيح أنه صلى الله عليه وسلم قسم يوم حنين في المؤلفة قلوبهم من الفيء، ولم يعط الأنصار شيئا فعتبوا عليه، فقال لهم: ( «ألا ترضون أن يذهب الناس بالشاء والبعير، وتنطلقون برسول الله صلى الله عليه وسلم تقودونه إلى رحالكم، فوالله لما تنقلبون به خير مما ينقلبون به» ) وقد تقدم ذكر القصة وفوائدها في موضعها.

والقصة هنا أن الله سبحانه أباح لرسوله من الحكم في مال الفيء ما لم يبحه لغيره، وفي " الصحيح " عنه صلى الله عليه وسلم: ( «إني لأعطي أقواما، وأدع غيرهم، والذي أدع أحب إلي من الذي أعطي» ) .

وفي " الصحيح " عنه ( «إني لأعطي أقواما أخاف ظلعهم وجزعهم، وأكل أقواما إلى ما جعل الله في قلوبهم من الغنى والخير، منهم: عمرو بن تغلب) . قال عمرو بن تغلب: فما أحب أن لي بكلمة رسول الله صلى الله عليه وسلم حمر النعم» .

ج ٥ · ص ٧٣

وفي " الصحيح: ( «أن عليا بعث إليه بذهيبة من اليمن، فقسمها أرباعا، فأعطى الأقرع بن حابس، وأعطى زيد الخيل، وأعطى علقمة بن علاثة، وعيينة بن حصن، فقام إليه رجل غائر العينين، ناتئ الجبهة، كث اللحية، محلوق الرأس، فقال: يا رسول الله، اتق الله، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ويلك أولست أحق أهل الأرض أن يتقي الله؟!» ) الحديث.

وفي " السنن ": ( «أن رسول الله صلى الله عليه وسلم وضع سهم ذي القربى في بني هاشم، وفي بني المطلب، وترك بني نوفل، وبني عبد شمس، فانطلق جبير بن مطعم وعثمان بن عفان إليه فقالا: يا رسول الله، لا ننكر فضل بني هاشم لموضعهم منك، فما بال إخواننا بني المطلب أعطيتهم وتركتنا، وإنما نحن وهم بمنزلة واحدة، فقال النبي صلى الله عليه وسلم: إنا وبنو المطلب لا نفترق في جاهلية ولا إسلام، إنما نحن وهم شيء واحد، وشبك بين أصابعه» ) .

وذكر بعض الناس أن هذا الحكم خاص بالنبي صلى الله عليه وسلم، وأن سهم ذوي القربى يصرف بعده في بني عبد شمس وبني نوفل كما يصرف في بني هاشم وبني المطلب، قال: لأن عبد شمس وهاشما والمطلب ونوفلا إخوة، وهم أولاد عبد مناف. ويقال: إن عبد شمس وهاشما توأمان.

والصواب: استمرار هذا الحكم النبوي، وأن سهم ذوي القربى لبني هاشم وبني المطلب، حيث خصه رسول الله صلى الله عليه وسلم بهم، وقول هذا القائل: إن هذا خاص بالنبي صلى الله عليه وسلم باطل، فإنه بين مواضع الخمس الذي جعله الله لذوي القربى، فلا

ط. مؤسسة الرسالة، بيروت — مكتبة المنار الإسلامية، الكويت · الطبعة السابعة والعشرون ١٤١٥هـ/١٩٩٤م