[فصل لا يقلع حشيش مكة ما دام رطبا]
ج ٤ · ص ١٩٨
بل كان يأكل ما جرت عادة أهل بلده بأكله من اللحم والفاكهة والخبز والتمر، وغيره مما ذكرناه في هديه في المأكول، فعليك بمراجعته هناك.
وإذا كان في أحد الطعامين كيفية تحتاج إلى كسر وتعديل، كسرها وعدلها بضدها إن أمكن، كتعديل حرارة الرطب بالبطيخ، وإن لم يجد ذلك، تناوله على حاجة وداعية من النفس من غير إسراف، فلا تتضرر به الطبيعة.
وكان إذا عافت نفسه الطعام لم يأكله، ولم يحملها إياه على كره، وهذا أصل عظيم في حفظ الصحة، فمتى أكل الإنسان ما تعافه نفسه، ولا يشتهيه، كان تضرره به أكثر من انتفاعه. قال أبو هريرة: ( «ما عاب رسول الله - صلى الله عليه وسلم - طعاما قط، إن اشتهاه أكله، وإلا تركه ولم يأكل منه» ) ، ( «ولما قدم إليه الضب المشوي لم يأكل منه، فقيل له: أهو حرام؟ قال: لا، ولكن لم يكن بأرض قومي، فأجدني أعافه» ) ، فراعى عادته وشهوته، فلما لم يكن يعتاد أكله بأرضه، وكانت نفسه لا تشتهيه، أمسك عنه، ولم يمنع من أكله من يشتهيه، ومن عادته أكله.
وكان يحب اللحم، وأحبه إليه الذراع، ومقدم الشاة، ولذلك سم فيه، وفي " الصحيحين ": ( «أتي رسول الله - صلى الله عليه وسلم - بلحم فرفع إليه الذراع، وكانت تعجبه» ) .
وذكر أبو عبيدة وغيره عن ضباعة بنت الزبير، أنها ذبحت في بيتها شاة
ج ٤ · ص ١٩٩
فأرسل إليها رسول الله - صلى الله عليه وسلم - أن أطعمينا من شاتكم، فقالت للرسول: ما بقي عندنا إلا الرقبة، وإني لأستحيي أن أرسل بها إلى رسول الله - صلى الله عليه وسلم، فرجع الرسول فأخبره، فقال: ( «ارجع إليها فقل لها: أرسلي بها، فإنها هادية الشاة، وأقرب إلى الخير، وأبعدها من الأذى» ) .
ولا ريب أن أخف لحم الشاة لحم الرقبة ولحم الذراع، والعضد وهو أخف على المعدة، وأسرع انهضاما، وفي هذا مراعاة الأغذية التي تجمع ثلاثة أوصاف. أحدها: كثرة نفعها وتأثيرها في القوى. الثاني: خفتها على المعدة، وعدم ثقلها عليها. الثالث: سرعة هضمها، وهذا أفضل ما يكون من الغذاء، والتغذي باليسير من هذا أنفع من الكثير من غيره.
وكان يحب الحلواء والعسل، وهذه الثلاثة - أعني: اللحم والعسل والحلواء - من أفضل الأغذية، وأنفعها للبدن، والكبد والأعضاء، وللاغتذاء بها نفع عظيم في حفظ الصحة والقوة، ولا ينفر منها إلا من به علة وآفة.
وكان يأكل الخبز مأدوما ما وجد له إداما، فتارة يأدمه باللحم ويقول: ( «هو سيد طعام أهل الدنيا والآخرة» ) . رواه ابن ماجه وغيره. وتارة بالبطيخ، وتارة بالتمر، فإنه وضع تمرة على كسرة شعير وقال: ( «هذا إدام هذه» ) ، وفي هذا من تدبير الغذاء أن خبز الشعير بارد يابس، والتمر حار رطب على أصح القولين، فأدم