تخطَّ إلى المحتوى

كتبٌ تُقرأ لا تُتصفَّح

[فصل في ملابسه صلى الله عليه وسلم] — زاد المعاد في هدي خير العباد

من زاد المعاد في هدي خير العباد لـمحمد بن أبي بكر ابن قيّم الجوزية — الورقة ١٢٦ من ٢٬٦٢٨.

[فصل في ملابسه صلى الله عليه وسلم]

ج ١ · ص ١٥٩

وليس عنده ثمنه فأربح فيه فباعه وتصدق بالربح على أرامل بني عبد المطلب وقال: لا أشتري بعد هذا شيئا إلا وعندي ثمنه» ) ذكره أبو داود، وهذا لا يناقض الشراء في الذمة إلى أجل، فهذا شيء وهذا شيء. «وتقاضاه غريم له دينا فأغلظ عليه، فهم به عمر بن الخطاب فقال: مه يا عمر كنت أحوج إلى أن تأمرني بالوفاء. وكان أحوج إلى أن تأمره بالصبر» ) ( «وباعه يهودي بيعا إلى أجل فجاءه قبل الأجل يتقاضاه ثمنه فقال: لم يحل الأجل، فقال اليهودي: إنكم لمطل يا بني عبد المطلب، فهم به أصحابه فنهاهم فلم يزده ذلك إلا حلما، فقال اليهودي: كل شيء منه قد عرفته من علامات النبوة وبقيت واحدة وهي أنه لا تزيده شدة الجهل عليه إلا حلما فأردت أن أعرفها فأسلم اليهودي» )

ج ١ · ص ١٦٠

فصل

في هديه صلى الله عليه وسلم في مشيه وحده ومع أصحابه

كان إذا مشى تكفأ تكفؤا، وكان أسرع الناس مشية وأحسنها وأسكنها، قال أبو هريرة: ( «ما رأيت شيئا أحسن من رسول الله صلى الله عليه وسلم، كأن الشمس تجري في وجهه، وما رأيت أحدا أسرع في مشيته من رسول الله صلى الله عليه وسلم كأنما الأرض تطوى له، وإنا لنجهد أنفسنا وإنه لغير مكترث» ) وقال علي بن أبي طالب رضي الله عنه ( «كان رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا مشى تكفأ تكفؤا كأنما ينحط من صبب» ) وقال مرة ( «إذا مشى تقلع» ) قلت: والتقلع الارتفاع من الأرض بجملته كحال المنحط من الصبب، وهي مشية أولي العزم والهمة والشجاعة، وهي أعدل المشيات وأرواحها للأعضاء وأبعدها من مشية الهوج والمهانة والتماوت، فإن الماشي إما أن يتماوت في مشيه ويمشي قطعة واحدة كأنه خشبة محمولة، وهي مشية مذمومة قبيحة، وإما أن يمشي بانزعاج واضطراب مشي الجمل الأهوج، وهي مشية مذمومة أيضا، وهي دالة على خفة عقل صاحبها، ولا سيما إن كان يكثر الالتفات حال مشيه يمينا وشمالا، وإما أن يمشي هونا، وهي مشية عباد الرحمن كما وصفهم بها في كتابه فقال {وعباد الرحمن الذين يمشون على الأرض هونا} [الفرقان: 63] [الفرقان: 63] قال غير واحد من السلف: بسكينة ووقار من غير تكبر ولا تماوت، وهي مشية رسول الله صلى الله عليه وسلم، فإنه مع هذه المشية كان كأنما ينحط من صبب، وكأنما الأرض تطوى له، حتى كان الماشي معه يجهد نفسه ورسول الله صلى الله عليه وسلم غير مكترث، وهذا يدل على أمرين: أن مشيته لم تكن مشية بتماوت ولا بمهانة، بل مشية أعدل المشيات.

والمشيات عشرة أنواع: هذه الثلاثة منها، والرابع: السعي، والخامس: الرمل، وهو أسرع المشي مع تقارب الخطى ويسمى: الخبب، وفي الصحيح من حديث ابن عمر أن النبي صلى الله عليه وسلم ( «خب في طوافه ثلاثا ومشى

ط. مؤسسة الرسالة، بيروت — مكتبة المنار الإسلامية، الكويت · الطبعة السابعة والعشرون ١٤١٥هـ/١٩٩٤م