تخطَّ إلى المحتوى

كتبٌ تُقرأ لا تُتصفَّح

تأويل قوله تعالى: {الذين يذكرون الله قياما وقعودا} — أحكام القرآن الكريم

من أحكام القرآن الكريم لـأبو جعفر أحمد بن محمد بن سلامة بن عبد الملك بن سلمة الأزدي الحجري المصري المعروف بالطحاوي — الورقة ٤٨٠ من ٢٬١٦٦.

تأويل قوله تعالى: {الذين يذكرون الله قياما وقعودا}

قال الله عز وجل: {الذين يذكرون الله قياما وقعودا وعلى جنوبهم} فكان هذا عندنا والله أعلم على الصفة منه عز وجل لأولي الألباب الذين ذكرهم قبل هذا، لأنه يعقب ذكر خلق السماوات والأرض وإن في ذلك آيات لهم، وأعقب ذلك من صفتهم بقوله عز وجل: {ويتفكرون في خلق السموات والأرض} الآية والآيات فإنما بين لذوي الفكر فيها من أولي الألباب الذين ذكرهم الله عز وجل، وقد قال قائل: إن هذه الآية إنما أنزلت في الصلاة المفروضة إذا أطاق أن يصليها قائما صلاها قائما، وإن عجز عن ذلك صلاها قاعدا، وإن عجز عن ذلك صلاها على جنبه يومئ إيماء، واحتج في ذلك ما:

445

حدثنا إبراهيم بن مرزوق، قال: حدثنا أبو حذيفة، قال: حدثنا سفيان، عن جويبر، عن الضحاك، قال: رأى ابن مسعود قوما يدعون قياما فنهاهم، فقالوا: أليس قد قال الله عز وجل: {فاذكروا الله قياما وقعودا وعلى جنوبكم} قال: " إنما ذلك في الصلاة المكتوبة، صل قائما، فإن لم تستطع فقاعدا، فإن لم تستطع فمضطجعا " وقالوا مثل ذلك الآية الأخرى: {فإذا قضيتم الصلاة فاذكروا الله قياما وقعودا وعلى جنوبكم} قالوا: وقد سد ذلك ما روي عن عمران بن حصين، عن النبي صلى الله عليه وسلم، فذكروا في ذلك ما

446

حدثنا محمد بن النعمان، قال: حدثنا يحيى بن يحيى النيسابوري، قال: حدثنا وكيع، عن إبراهيم بن طهمان، عن حسين المعلم، عن ابن بريدة، عن عمران، قال: كان بي الباسور، فسألت النبي صلى الله عليه وسلم عن الصلاة، فقال: " صل قائما، فإن لم تقدر فقاعدا، فإن لم تقدر فعلى جنب " فكان من الحجة عليهم للآخرين أن حديث ابن مسعود رضي الله عنه الذي ذكروا ليس مما يحتج بمثله، لأنه لا مخرج له، ولا اتصال عن ابن مسعود، ولأن جويبرا حديثه عندهم كما يقولون فيه، ولأن الضحاك رضي الله عنه لم يولد في أيام ابن مسعود، ولأن الآية المذكورة في حديث ابن مسعود ليست هي الآية التي ترجمنا بها هذا الباب، وكيف يجوز لهم تأويل هذه الآية التي ترجمنا بها هذا الباب، على ما تأولوا عليه، وظاهرها خلاف ذلك، لأن الله عز وجل إنما ذكر قبلها خلق السماوات والأرض، واختلاف الليل والنهار، وأخبر أن في ذلك آيات لأولي الألباب، ثم وصفهم عز وجل بالتفكر والتذكر فيما ذكره عز وجل في الآية ومداومة ذلك على كل الأحوال التي يكون الناس عليها من القيام والقعود والاضطجاع وقد روي عن رسول الله صلى الله عليه وسلم ما يدل على أن المراد بها هو الذكر لله عز وجل على هذه الأحوال، وذلك:

ت. الدكتور سعد الدين أونال — مركز البحوث الإسلامية التابع لوقف الديانة التركي، استانبول — الأولى