(ذو القرنين)
ج ٢ · ص ٤٩٢
واستكبروا عنها.
والفاء للتسبيب، وليس هو من باب ذكر اللازم عقب الملزوم.
وإنما هو من باب ذكر الشيء عقب نقيضه، لأن لازم كونه إلها واحدا التصديق لا الإنكار والكفر.
وظاهر كلام الزمخشري أن الوحدانية ثابتة بالعقل، لأنه قال: قد ثبت بما
تقدم إبطال أن تكون الإلهية لغيره، فكان من نتيجة ثبات الوحدانية ووضوح
دليلها استمرارهم على شركهم.
وظاهر كلام ابن عطية أنها ثابتة بالسمع، لأنه قال: لما تقدم وصف الأصنام
جاء الخبر الحق بالوحدانية، وهذه مخاطبة لجميع الناس معلمة بأن الله متحد
وحدة تامة، لا يحتاج لكمالها إلى منضاف إليها.
والصحيح أنها مستفادة منهما معا.
ابن عرفة: القضية على ثلاثة أقسام:
عقلية، كقولك الواحد نصف الاثنين، والجوهر متحيز أو مفتقر إلى
العرض.
وشرعية، كقولك: الميت يبعث.
ومركبة منهما، كقولك: الله سميع بصير.
واختلفوا في قولك: الله إله واحد، فذهب الفخر إلى صحة إثباته بالسمع.
ونقل ابن التلمساني في شرح المعالم الدينية عن بعضهم أنه لا يصح إثباته بالسمع.
وقال في شرح المعالم الفقهية: إن ما تتوقف دلالة المعجزة عليه لا يصح إثباته
بالسمع، كوجود الإله، لئلا يلزم عليه الدور.
وما لا يتوقف عليه يصح إثباته بالسمع، ككونه واحدا، ذكره في أول الباب السابع في الإجماع.
وعندي أن الآية تدل على صحة إثبات الوحدانية بالسمع والعقل، لقوله:
(فالذين لا يؤمنون بالآخرة قلوبهم منكرة) ، كأنه يقول: فالمكذبون بالآخرة
قلوبهم منكرة، ولو كانت لا تتوقف على السمع لقال: فالصم العمي، أو
(ذكيتم) :
ج ٢ · ص ٤٩٣
فالمتصاممون قلوبهم منكرة، فذكره عقيب الإيمان يشعر بعليته له، فهو دليل على أنهم سمعوا فلم يؤمنوا بالآخرة، ولو لم يكن معلقا على الإيمان لما ذكره بعده.
(مفرطون) :
بكسر الراء والتخفيف من الإفراط، أي متجاوزون الحد في المعاصي.
وبفتح الراء والتخفيف، من الفرط، أي يعجلون إلى النار.
وبكسر الراء والتشديد من التفريط.
(منكر) :
هو أعم من الفحشاء، لأنه يعم جميع المعاصي.
(ملئت منهم رعبا) : الضمير لأصحاب الكهف، وضمير
الخطاب لنبينا ومولانا محمد - صلى الله عليه وسلم -، يعني أنك يا محمد لا تستطيع النظر إليهم لما ألبستهم من الهيبة، فإذا كان القوي الجأش لا يستطيع النظر إليهم فكيف يدعي غيره رؤيتهم.
(ملتحدا) : أي ملجأ تميل إليه فتجعله حرزا.
(مهل) : هو بلسان أهل المغرب.
وقيل بلغة البربر:
دردى الزيت إذا انتهى حره، وروي هذا عن رسول الله - صلى الله عليه وسلم -.
وقيل: هو ما أذيب من الرصاص وشبهه.
(مرتفقا) : هو شيء يرتفق به.
وقيل يرتفق عليه من الارتفاق، بمعنى الاتكاء.
(منقلبا) : أي مرجعا، وهذا قول المؤمن لأخيه الكافر.
أي إن كان هذا على سبيل الفرض والتقدير كما يزعم أخي لأجدن في الآخرة خيرا من جنتي في الدنيا.
وقرئ خير منهما بضمير الاثنين للجنتين، وبضم الواحدة للجنة.
(مقتدرا) : من أسماء الله، ومعناه من له القدرة والقوة
والعظمة والكبرياء، وإنما يوصف بذلك تعظيما، فكل مقدور معلوم، وليس كل معلوم مقدورا، لأن المحالات كلها معلومة للقديم سبحانه، وليست بمقدورة له،