(فصل)
ج ١ · ص ٨٣
، وأبو داود السجستاني، وأبو جعفر النحاس، وابن الأنباري، ومكي.
وابن العربي، وآخرون.
لكن في هذا النوع مسائل:
الأولى: يرد النسخ بمعنى الإزالة، ومنه قوله: (فينسخ الله ما يلقي الشيطان ثم يحكم الله آياته) .
وبمعنى التبديل، ومنه: (وإذا بدلنا آية مكان آية) .
وبمعنى التحويل، كتناسخ المواريث، بمعنى تحويل الميراث من واحد إلى
واحد.
وبمعنى النقل من موضع إلى موضع، ومنه نسخت الكتاب: إذا نقلت ما فيه
حاكيا للفظه وخطه.
قال مكي: وهذا الوجه لا يصح أن يكون في القرآن.
وأنكر على النحاس إجازته ذلك محتجا بأن الناسخ فيه لا يأتي بلفظ المنسوخ.
وأنه إنما يأتي بلفظ آخر.
وقال السعيدي: يشهد لما قاله النحاس قوله: (إنا كنا نستنسخ ما كنتم
تعملون) الجاثية: 29.
وقال: (وإنه في أم الكتاب لدينا لعلي حكيم (4) .
ومعلوم أن ما نزل من الوحي نجوما جميعه في أم الكتاب، وهو اللوح
المحفوظ، كما قال تعالى: (في كتاب مكنون (78) لا يمسه إلا المطهرون (79) .
الثانية: لا يقع النسخ إلا في الأمر والنهي، ولو بلفظ الخبر، أما الخبر الذي
ليس بمعنى الطلب فلا يدخله النسخ، ومنه الوعد والوعيد.
وإذا عرفت ذلك عرفت فساد صنع من أدخل في كتاب النسخ كثيرا من آيات الإخبار والوعد والوعيد.
تنبيهات
ج ١ · ص ٨٤
الثالث: النسخ أقسام:
أحدها: نسخ المأمور به قبل امتثاله، وهو النسخ على الحقيقة، كآية النجوى.
الثاني: ما نسخ مما كان شرعا لمن قبلنا كآية شرع القصاص والدية.
أو كان أمر به أمرا جمليا، كنسخ التوجه إلى بيت القدس بالكعبة، وصوم عاشوراء برمضان، وإنما يسمى هذا نسخا تجوزا.
الثالث: ما أمر به لسبب ثم يزول السبب، كالأمر - حين القلة والضعف -
بالصبر والصلح، ثم نسخ بإيجاب القتال، وهذا في الحقيقة ليس نسخا، بل من قسم المنسأ، كما قال تعالى: (أو ننسها) ، فالمنسأ هو الأمر بالقتال إلى أن يقوى المسلمون.
وفي حال الضعف يكون الحكم وجوب الصبر على الأذى، وبه
يضعف ما لهج به كثيرون من أن الآيات في ذلك منسوخة بآية السيف، وليس كذلك، بل هي من المنسأ، بمعنى أن كل أمر ورد يجب امتثاله في وقت ما لعلة تقتضي ذلك الحكم، ثم ينتقل بانتقال تلك العلة إلى حكم آخر، وليس بنسخ، إنما النسخ الإزالة للحكم حتى لا يجوز امتثاله.
وقال مكي: ذكر جماعة أن ما ورد من الخطاب مشعرا بالتوقيت والغاية مثل
قوله في البقرة: (فاعفوا واصفحوا حتى يأتي الله بأمره)
محكم غير منسوخ، لأنه يؤجل بأجل، والمؤجل بأجل لا نسخ فيه
الرابعة: قال بعضهم: سور القرآن باعتبار الناسخ والمنسوخ أقسام: قسم ليس فيه ناسخ ولا منسوخ، وهي ثلاث وأربعون سورة: الفاتحة، ويوسف، ويس، والحجرات، والرحمن، والحديد، والصف، والجمعة، والتحريم، والملك، والحاقة، ونوح، والجن، والمرسلات، وعم، والنازعات، والانفطار، وثلاث بعدها، والفجر وما بعدها إلى آخر القرآن، إلا التين والعصر والكافرون.
وقسم فيه الناسخ والمنسوخ، وهو خمس وعشرون: البقرة، وثلاث بعدها،