الوجه الثاني عشر من وجوه إعجازه (إفادة حصره واختصاصه)
ج ١ · ص ٢٠٣
ينقسم التشبيه باعتبارات:
الأول: باعتبار طرفيه إلى أربعة أقسام، لأنهما إما حسيان، أو عقليان، أو
المشبه به حسي والمشبه عقلي، أو عكسه.
مثال الأول: (والقمر قدرناه منازل حتى عاد كالعرجون القديم)
، (كأنهم أعجاز نخل منقعر) .
ومثال الثاني: (ثم قست قلوبكم من بعد ذلك فهي كالحجارة أو أشد قسوة) .
وكذا مثل به في البرهان، وكأنه ظن أن التشبيه واقع في
القسوة وهو غير ظاهر، بل هو واقع بين القلوب والحجارة، فهو من الأول.
ومثال الثالث: (مثل الذين كفروا بربهم أعمالهم كرماد اشتدت به الريح في يوم عاصف) .
ومثال الرابع لم يقع في القرآن، بل منعه الإمام أصلا، لأن العقل مستفاد من
الحس، فالمحسوس أصل للمعقول، وتشبيهه به يستلزم جعل الأصل فرعا والفرع أصلا، وهو غير جائز.
وقد اختلف في قوله تعالى: (هن لباس لكم وأنتم لباس لهن) .
الثاني: ينقسم باعتبار وجهه إلى مفرد ومركب، والمركب أن ينتزع وجه
الشبه من أمور مجموع بعضها إلى بعض، كقوله: (كمثل الحمار يحمل أسفارا) ، فالتشبيه مركب من أحوال الحمار، وهو حرمان الانتفاع بأبلغ
نافع مع تحمل التعب في استصحابه.
وقوله: (إنما مثل الحياة الدنيا كماء أنزلناه من السماء ... )
إلى قوله: (كأن لم تغن بالأمس)
، فإن فيه عشر جمل وقع التركيب من مجموعها بحيث لو سقط منها شيء اختل التشبيه، إذ المقصود تشبيه حال الدنيا في سرعة تقضيها، وانقراض نعيمها، واغترار الناس
تنبيه:
ج ١ · ص ٢٠٤
بها - بحال ماء نزل من السماء، وأنبت أنواع العشب، وزين بزخرفها وجه
الأرض، كالعروس إذا أخذت الثياب الفاخرة، حتى إذا طمع أهلها فيها.
وظنوا أنها مسلمة من الجوائح أتاها بأس الله فجأة، فكأنها لم تكن بالأمس.
وقال بعضهم: وجه تشبيه الدنيا بالماء أمران:
أحدهما: أن الماء إذا أخذت منه فوق حاجتك تغررت، وإن أخذت قدر
الحاجة انتفعت به، فكذلك الدنيا.
والثاني: أن الماء إذا أطبقت عليه كفك لتحفظه لم يحصل فيه شيء فكذلك
الدنيا.
وقوله: (مثل نوره كمشكاة فيها مصباح) .
شبه نوره الذي يلقيه في قلب المؤمن بمصباح اجتمعت فيه أسباب الإضاءة إما بوضعه في مشكاة - وهي الطاقة التي لا تنفذ، وكونها لا تنفذ لتكون أجمع للبصر.
وقد جعل فيها مصباح في داخل زجاجة تشبه الكوكب الدري في صفائها، ودهن المصباح من أصفى الأدهان وأقواها وقودا، لأنه من زيت شجرة في وسط السراج، لاشرقية ولا غربية، فلا تصيبها الشمس في أحد طرفي النهار، بل تصيبها الشمس أعدل إصابة.
وهذا مثل ضربه الله للمؤمن، ثم ضرب للكافر مثلين: أحدهما: (كسراب بقيعة يحسبه الظمآن ماء) ، والآخر: (كظلمات في بحر لجي) .
وهو أيضا تشبيه مركب.
الثالث: ينقسم باعتبار آخر إلى أقسام:
أحدها: تشبيه ما تقع عليه الحاسة بما لا تقع، اعتمادا على معرفة النقيض
والضد، فإن إدراكهما أبلغ من إدراك الحاسة، كقوله: (طلعها كأنه رءوس الشياطين (65) .
شبه بما لا يشك أنه منكر قبيح لما حصل في نفوس الناس من بشاعة صور الشياطين وإن لم ترها عيانا.