الوجه الثاني عشر من وجوه إعجازه (إفادة حصره واختصاصه)
ج ١ · ص ٢٠٠
والحاصل أن الحقيقة منها أن يستعمل اللفظ فيما وضع له ليفيد غير ما وضع
له، والمجاز منها أن يريد بها غير موضوعها استعمالا وإفادة.
الخامس: التقديم والتأخير: عده قوم من المجاز، لأن تقديم ما رتبته التأخير
كالمفعول، وتأخير ما رتبته التقديم كالفاعل - نقل لكل واحد منهما عن رتبته وحقه.
قال في البرهان: والصحيح أنه ليس منه، فإن المجاز نقل ما وضع إلى ما لم
يوضع له.
السادس: الالتفات، قال الشيخ بهاء الدين السبكي: لم أر من ذكر هل هو
حقيقة أو مجاز.
قال: وهو حقيقة حيث لم يكن معه تجريد.
هو الموضوعات الشرعية، كالصلاة، والزكاة، والصوم، والحج، فإنها حقائق بالنظر إلى الشرع مجازات بالنظر إلى اللغة.
قيل بها في ثلاثة أشياء -:
أحدها: اللفظ قبل الاستعمال، وهذا القسم مفقود في القرآن، ويمكن أن
يكون منه أوائل السور على القول بأنها للإشارة إلى الحروف التي يتركب منها
الكلام.
ثانيها: الأعلام.
ثالثها: اللفظ المستعمل في المشاكلة، نحو: (ومكروا ومكر الله) ، (وجزاء سيئة مثلها) .
ذكر بعضهم أنها
ج ١ · ص ٢٠١
واسطة بين الحقيقة والمجاز، قال: لأنه لم يوضع فيما استعمل فيه، فليس حقيقة، ولا علاقة معتبرة، فليس مجازا، كذا في شرح بديعية ابن جابر لرفيقه.
قلت: والذي يظهر أنها مجاز، والعلاقة المصاحبة.
لهم مجاز المجاز، وهو أن يجعل المجاز المأخوذ عن الحقيقة بمثابة الحقيقة
بالنسبة إلى مجاز آخر، فيتجوز بالمجاز الأول عن الثاني لعلاقة بينهما، كقوله
تعالى: (ولكن لا تواعدوهن سرا) ، فإنه مجاز عن مجاز، فإن الوطء تجوز عنه بالسر، لكونه لا يقع غالبا إلا في السر، وتجوز به عن العقد، لأنه مسبب عنه، فالمصحح للمجاز الأول الملازمة والثاني السببية.
والمعنى لا تواعدوهن عقد نكاح.
وكذا قوله: (ومن يكفر بالإيمان فقد حبط عمله) ، فإن قول: (لا إله إلا الله) مجاز عن تصديق القلب بمدلول هذا اللفظ، والعلاقة السببية، لأن توحيد اللسان مسبب عن توحيد الجنان، والتعبير بلا إله إلا الله
عن الوحدانية من مجاز التعبير بالقول عن المقول فيه.
وجعل منه ابن السيد قوله: (أنزلنا عليكم لباسا) ، فإن المنزل عليهم ليس هو نفس اللباس، بل الماء المنبت للزرع المتخذ منه الغزل المنسوج منه اللباس.
*******
قال المبرد في الكامل: لو قال قائل هو أكثر كلام العرب لم يبعد.
وقد أفرد تشبيهات القرآن بالتصنيف أبو القاسم بن البندار البغدادي في كتاب سماه " الجمان ".
وعرفه جماعة منهم السكاكي بأنه الدلالة على مشاركة أمر لأمر في معنى.