تنبيهات
ج ١ · ص ٨١
وقد رام بعض المتأخرين الجمع بينهما في تأليف بديع) ، مقتضاه أن الدعاء
العريض في أول الأمر والإياس في ثاني الحال.
قال الأستاذ أبو إسحاق الإسفرايني، إذا تعارضت الآي وتعذر فيها الترتيب
والجمع طلب التاريخ، وترك المتقدم بالمتأخر، ويكون ذلك نسخا.
وإن لم يعمل، وكان الإجماع على العمل بإحدى الآيتين علم بإجماعهم أن الناسخ ما أجمعوا على العمل بها.
قال: ولا يوجد في القرآن آيتان متعارضتان تخلوان عن هذين الوصفين.
قال غيره: وتعارض القراءتين بمنزلة تعارض الآيتين، نحو: (وأرجلكم)
، بالنصب والجر، ولهذا جمع بينهما بحمل النصب على الغسل، والجر
على مسح الخف.
وقال الصيرفي: جماع الاختلاف والتناقض أن كل كلام صح أن يضاف
بعض ما وقع الاسم عليه إلى وجه من الوجوه فليس فيه تناقض، وإنما التناقض في اللفظ ما ضاده من كل جهة، ولا يوجد في الكتاب والسنة شيء من ذلك أبدا، وإنما يوجد فيه النسخ في وقتين.
وقال القاضي أبو بكر: لا يجوز تعارض آي القرآن والآثار.
وما يوجبه العقل.
فلذلك لم يجعل قوله: (الله خالق كل شيء) .
معارضا لقوله: (وتخلقون إفكا) ، (وإذ تخلق من الطين) .
لقيام الدليل العقلي أنه لا خالق له غير الله، فتعين تأويل ما عارضه.
فيؤول تخلقون على تكذبون، وتخلق على تصور.
وذكر الكرماني عند قوله تعالى: (ولو كان من عند غير الله لوجدوا فيه اختلافا كثيرا (82) .
(فصل)
ج ١ · ص ٨٢
الاختلاف على وجهين:
اختلاف تناقض، وهو ما يدعو فيه أحد الشيئين إلى خلاف الآخر، وهذا هو الممتنع على القرآن.
واختلاف تلازم، وهو ما يوافق الجانبين، كاختلاف وجوه القراءات واختلاف مقادير السور والآيات، واختلاف الأحكام من الناسخ والمنسوخ، والأمر والنهي، والوعد والوعيد.
*******
وهو مما خصت به هذه الأمة لحكم، منها التيسير.
وقد أجمع المسلمون على جوازه! وأنكره اليهود ظنا منهم أنه بداء كالذي يرى الرأي ثم يبدو له أنه باطل، لأنه بيان مدة الحكم، كالإحياء بعد الإماتة وعكسه، والمرض بعد الصحة، وعكسه، والفقر بعد الغنى وعكسه، وذلك لا يكون بداء، فكذا الأمر والنهي.
واختلف العلماء فقيل: لا ينسخ القرآن إلا بقرآن، لقوله تعالى (ما ننسخ من آية أو ننسها نأت بخير منها أو مثلها) .
قالوا: ولا يكون مثل القرآن وخيرا منه إلا قرآن.
وقيل: بل ينسخ القرآن بالسنة، لأنها أيضا من عند الله، قال تعالى: (وما ينطق عن الهوى (3) .
وجعل منه آية الوصية الآتية.
والثالث إذا كانت السنة بأمر الله من طريق الوحي نسخت، وإن كانت
باجتهاد فلا.
حكاه ابن حبيب النيسابوري في كتابه التفسير.
وقال الشافعي: حيث وقع نسخ القرآن بسنة فمعها قرآن عاضد لها، وحيث وقع نسخ السنة بالقرآن فمعه سنة عاضدة له، ليتبين توافق القرآن والسنة.
وقد بسطت هذه المسألة في شرح منظومة جمع الجوامع في الأصول.
وقد أفرد بالتصنيف في هذا الفن خلائق لا تحصى، منهم: أبو عبيد القاسم
ابن سلام