(من يؤمن بالله يهد قلبه) :
ج ٣ · ص ٤٠٦
(يستمعون القول فيتبعون أحسنه) :
يعني يستمعون القول على العموم فيتبعون بأعمالهم أحسنه، من العفو الذي هو أحسن من الانتصار، وشبه ذلك.
وقيل: هو الذي يسمع حديثا فيه حسن وقبيح، فيحدث بالحسن
ويكف عما سواه.
وهذا قول ابن عباس، وهو الأظهر.
وقال ابن عطية: هو عام في جميع الأقوال.
والقصد الثناء على هؤلاء ببصر ونظر سديد يفرقون به بين الحق
والباطل، وبين الصواب والخطأ، فيتبعون الأحسن من ذلك.
(ينابيع) :
جمع ينبوع، وهو العين.
(يهيج) :
ييبس، لقوله: (فتراه مصفرا) .
(يريكم آياته) :
يعني العلامات الدالة على مخلوقاته ومعجزات رسله.
(يسبحون بحمد ربهم ويؤمنون به ويستغفرون للذين آمنوا) .
من أعظم آيات الرجاء، لسؤال الملائكة لهم بالرحمة والجنة.
فإن قلت، حملة العرش والملائكة كلهم مؤمنون به سبحانه، فما فائدة
الإخبار بقوله: (ويؤمنون به) ؟
والجواب: إظهارا لفضيلة الإيمان وشرفه، والترغيب فيه، كما وصف الأنبياء في غير ما موضع من كتابه بالصلاح، كقوله: (ونبيا من الصالحين) .
ومعلوم أن الأنبياء من أهل الإيمان والصلاح، وكما أعقب أعمال الخير بقوله: (ثم كان من الذين آمنوا) ، فأبان بذلك فضل الإيمان.
وقد ذكر الزمخشري أن فيه فائدة أخرى، وهي أن معرفة حملة العرش بالله تعالى من طريق النظر والاستدلال كسائر الخلق لا بالرؤية، وهذه نزعة منه إلى مذهب المعتزلة في استحالة رؤية الله تعالى.
وتأمل يا محمدي إلى عظيم التناسب المرعي بين قوله: (ويؤمنون به) ،
ج ٣ · ص ٤٠٧
(ويستغفرون للذين آمنوا) تجد فيه تنبيها على أن الاشتراك في الإيمان يجب
أن يكون أدعى شيء إلى النصيحة، وأبعثه على إمحاض الشفقة، وإن تفاوتت الأجناس، وتباعدت الأماكن، فإنه لا تجانس بين ملك وإنسان، ولا بين سماوي وأرضي قط، ولما جمع الإيمان جاء معه التجانس الحقيقي، والتناسب الكلي، حتى استغفر من حول العرش لمن في الأرض مع عظم أجرامهم وقوتهم، قال - صلى الله عليه وسلم -:
" أذن لي أن أحدث عن ملك من حملة العرش بين شحمة أذنه وعاتقه مسيرة
سبعمائة سنة ".
فانظر يا محمدي ما أعظم قيمتك! الأنبياء والملائكة يستغفرون، ونبيك أمر
إخوانك بالاستغفار لك، قال:
" من استغفر لوالديه وللمؤمنين والمؤمنات كل يوم خمسا وعشرين مرة أو سبعا وعشرين - أحد العددين - كان من الذين يستجاب دعاؤهم، ويرزق بهم أهل الأرض ".
ودعاء الأبدال أن تقول بعد كل صلاة:
اللهم أصلح أمة محمد، اللهم ارحم أمة محمد، اللهم فرج عن أمة محمد، اللهم اغفر لأمة محمد، ولجميع من آمن بك.
ولما دحا الله مبسوط بساط الأرض، ومهد مهادها لترتيب المكونات فخرت
عليها السموات، فنكست رأس الانكسار، ومدت يد الاستعطاف إلى عين الجود، فجادلها بقطع حجة من جادلها:
(يا سماء) :
إن كنت فخرت بالشمس لظهور الموجودات، فأين مثل شريعة نبينا ومولانا محمد - صلى الله عليه وسلم - في ظهور الغيب، شمس السماء لها
أفول، وشمس شريعة محمد ليس لها أفول.
وإن افتخرت بحسن القمر ونوره فأينك من حسن سننه المشرق ونوره إذا
كسفت شمسك، وخسف قمرك، فالشفاعة من أهل الأرض، والشافع أفضل من المشفوع فيه.
وإن افتخرت بالنجوم للاهتداء فنجوم الصحابة معلومة للاقتداء على مقعد