(أماني) :
ج ٣ · ص ١١٤
فإن قلت: ما معنى عطفه هنا بالفاء، وفي الثانية من سورة الصافات.
بخلاف الأولى؟
والجواب أن هذه الآية من كلام أهل صنعاء لما رأوا جتتهم محرقة وندموا
على ما كان منهم وجعلوا يقولون: (سبحان ربنا) ، (فأقبل بعضهم على بعض يتلاومون) .
وأما عطف أولى الصافات بالواو فلأنه عطف جملة على جملة فحسب، وعطف الآية بعدها بالفاء، لأنه عطف جملة على جملة بينهما مناسبة والتئام، لأنه حكى أحوال أهل الجنة ومذاكرتهم فيها، وما جرى بينهم في الدنيا وبين أصدقائهم، وهو قوله: (وعندهم قاصرات الطرف عين (48) كأنهن بيض مكنون (49) فأقبل بعضهم على بعض يتساءلون (50) .
(فوقهم يومئذ ثمانية) ، أى ثمانية أملاك، والمراد بالفوقية
أنهم - يزادون يوم القيامة أربعة، لأنهم اليوم أربعة رؤوسهم عند العرش، وأرجلهم تحت الأرض السابعة.
وقال ابن عباس: هي ثمانية صفوف من الملائكة لا يعلم أحد عدتهم.
والأول أصح لوروده في الحديث.
(فيقول يا ليتني لم أوت كتابيه) :
أي يتمنى أنه لا يعطى كتابه.
وقال ابن عطية: يتمنى أن يكون معدوما لا يجرى عليه شيء.
والأول أظهر.
(فصيلته التي تؤويه) ، أي تضمه، فيحتمل أن يريد تضمه في الانتماء إليها، أو في نصرته وحفظه من المضرات.
(فأدخلوا نارا) :
يعني جهنم، وعبر عن ذلك بالفعل الماضي، لأن الأمر محقق وقيل: أراد عرضهم على النار، وعبر عنه بالإدخال.
(فاجرا) : مائلا عن الحق.
وأصل الفجور الميل.
ضمير الفاعل للجن، وضمير المفعول للإنس.
ج ٣ · ص ١١٥
والمعنى أن الجن زادوا الإنس ضلالأ أو إثما لما عاذوا بهم، أو زادوهم
تخويفا لما رأوا ضعف عقولهم.
وقيل ضمير الفاعل للإنس، وضمير المفعول للجن، والمعنى أن الإنس زادوا الجن تكبرا لما عاذوا بهم، حتى كأن الجني يقول أنا سيد الجن والإنس.
(فمن يستمع الآن) ، أي وقت استراقه.
قد قدمنا أن الرصد اسم جمع للواحد كالحرس للحراس، ومعنى الآية: أن الله يسلك من بين يدي الرسول ومن خلفه ملائكة يكونون رصدا يحفظونه من الشياطين.
قال بعضهم، ما بعث الله رسولا إلا ومعه ملائكة يحرسونه حتى يبلغ رسالة
ربه.
وإذا كان الله يحفظ غير الرسل فما بالك بهم.
وتأمل حكاية الشيطان الذي أتى لوسوسة القائم الذي كان في المسجد يصلي فلم يقدر على الدخول، فقال أخوه من الشياطين: ما بالك لا تدخل إليه، فقال: نفس النائم منعني من توسوس القائم، وكان النائم إبراهيم بن أدهم.
(فقتل كيف قدر) :
دعاء على الوليد بن المغيرة، وذم لحاله، وكرره تأكيدا.
قال ابن عطية: ويحتمل أن يكون مقتضاه بزعمه الأول
حين أعجبه القرآن، فيكون قوله: (قتل) لا يراد به الدعاء عليه، وإنما هو
كقولهم: قاتل الله فلانا ما أشجعه! يريدون التعجب من حاله واستعظام وصفه.
وقال الزمخشري: يحتمل أن يكون ثناء عليه على طريقة الاستهزاء، أو حكاية لقول قريش تهكما به.
فإن قلت: ما معنى (ثم) الداخلة في تكرير الدعاء؟
قلت: الدلالة على أن المرة الثانية أبلغ من الأولى، ونحوه قوله:
ألا يا اسلمي ثم اسلمي. . .
فإن قلت: فما معنى المتوسطة بين الأفعال التي بعدها؟