سورة النور
ج ١ · ص ١٢٥
أقول: ظهر لي وجه اتصالها بما قبلها: أنه لما ذكر في سورة فاطر قوله: {وجاءكم النذير} "فاطر: 37" وقوله: {وأقسموا بالله جهد أيمانهم لئن جاءهم نذير ليكونن أهدى من إحدى الأمم فلما جاءهم نذير} "فاطر: 42"، والمراد به محمد صلى الله عليه وسلم1، وقد أعرضوا عنه وكذبوه، فافتتح هذه السورة بالإقسام على صحة رسالته، وأنه على صراط مستقيم؛ لينذر قوما ما أنذر آباؤهم، وهذا وجه بين.
وفي فاطر: {وسخر الشمس والقمر} "فاطر: 13"، وفي يس: {والشمس تجري لمستقر لها ذلك تقدير العزيز العليم، والقمر قدرناه منازل حتى عاد كالعرجون القديم} "38، 39"، وذلك أبسط وأوضح.
وفي فاطر: {وترى الفلك فيه مواخر} "فاطر: 12"، وفي يس: {وآية لهم أنا حملنا ذريتهم في الفلك المشحون، وخلقنا لهم من مثله ما يركبون، وإن نشأ نغرقهم فلا صريخ لهم ولا هم ينقذون} "يس: 41-43" فزاد القصة بسطا.
سورة الفرقان
ج ١ · ص ١٢٦
...
سورة الصافات:
أقول: هذه السورة بعد "يس" كالأعراف بعد الأنعام، وكالشعراء بعد الفرقان، في تفصيل أحوال القرون المشار إلى إهلاكهم1، كما أن تينك2 السورتين تفصيل لمثل ذلك كما تقدم.
ج ١ · ص ١٢٧
أقول: هذه السورة بعد الصافات كطس بعد الشعراء، وكطه والأنبياء بعد مريم، وكيوسف بعد هود، في كونها متممة لها بذكر من بقي من الأنبياء، ممن لم يذكروا فيها؛ فإنه سبحانه ذكر في الصافات: نوحا، وإبراهيم، والذبيح، وموسى، وهارون، ولوطا، وإلياس، ويونس، وذكر هنا: داود، وسليمان، وأيوب، وأشار إلي بقية من ذكر، فهي بعدها أشبه شيء بالأنبياء وطس بعد مريم والشعراء1.
[أقول] 1: لا يخفى وجه اتصال أولها بآخر "ص"؛ حيث قال في "ص": {إن هو إلا ذكر للعالمين} "ص: 87"، ثم قال هنا: {تنزيل الكتاب من الله} "1"، فكأنه قيل: هذا الذكر تنزيل، وهذا تلاؤم2 شديد؛ بحيث إنه لو أسقطت3 البسملة لالتأمت الآيتان4 كالآية الواحدة.
وقد ذكر الله تعالى في آخر "ص" قصة خلق آدم5، وذكر في صدر هذه قصة خلق زوجه [منه] 6، وخلق الناس كلهم منه، وذكر خلقهم في بطون أمهاتهم خلقا من بعد خلق، ثم ذكر أنهم ميتون، ثم ذكر وفاة النوم والموت، ثم ذكر القيامة، والحساب، والجزاء، والنار، والجنة7، وقال: {وقضي بينهم بالحق وقيل الحمد لله رب العالمين} "75".
فذكر أحوال الخلق من المبدأ إلى المعاد، متصلا بخلق آدم المذكور في السورة التي قبلها.