تخطَّ إلى المحتوى

كتبٌ تُقرأ لا تُتصفَّح

سورة المائدة — أسرار ترتيب القرآن

من أسرار ترتيب القرآن لـعبد الرحمن بن أبي بكر، جلال الدين السيوطي — الورقة ٨٨ من ١٨٩.

سورة المائدة

ج ١ · ص ٨٩

عنده في ذلك توقيف، فإنه استند إلى اجتهاد، وأنه قرن بين الأنفال وبراءة لكونها شبيهة بقصتها في اشتمال كل منهما على [الأمر] 1 القتال، ونبذ العهود، وهذا وجه بين المناسبة جلي، فرضي الله عن الصحابة، ما أدق أفهامهم! وأجزل آراءهم! وأعظم أحلامهم! 2

وأقول: يتم بيان مقصد عثمان -رضي الله عنه- في ذلك بأمور فتح الله بها:

الأول: أنه جعل الأنفال قبل براءة مع قصرها؛ لكونها مشتملة على البسملة، فقدمها لتكون كقطعة3منها، وتكون براءة بخلوها منها كتتمتها وبقيتها؛ ولهذا قال جماعة من السلف: إن الأنفال وبراءة سورة واحدة، لا سورتان4.

الثاني: أنه وضع براءة هنا لمناسبة الطوال؛ فإنه ليس في القرآن بعد الأعراف أنسب ليونس طولا منها5، وذلك كاف في المناسبة.

الثالث: أنه خلل بالسورتين [الأنفال وبراءة] أثناء السبع الطوال المعلوم ترتيبها في العصر الأول؛ للإشارة إلى أن ذلك أمر صادر لا عن توقيف، وإلى أن رسول الله -صلى الله عليه وسلم- قبض قبل أن يبين محلهما، فوضعا [هنا] 6 كالموضع المستعار بين السبع الطوال، بخلاف ما لو وضعتا بعد السبع الطوال، فإنه كان يوهم أن ذلك محلهما

ج ١ · ص ٩٠

بتوقيف، وترتيب السبع الطوال يرشد إلى دفع هذا الوهم1.

فانظر إلى هذه الدقيقة التي فتح الله بها، ولا يغوص عليها إلا غواص.

الرابع: أنه لو أخرهما وقدم يونس، وأتى بعد براءة بهود -كما في مصحف أبي بن كعب- لمراعاة مناسبة السبع الطوال، وإيلاء بعضها بعضا، لفات مع ما أشرنا إليه أمر آخر آكد في المناسبة، فإن الأولى بسورة يونس أن تولى بالسور الخمس التي بعدها، لما اشتركت فيه من الاشتمال على القصص، ومن الافتتاح ب {الر} 2، وبذكر الكتاب، ومن كونها مكيات، ومن تناسب، ما عدا الحجر في المقدار، وبالتسمية باسم نبي، والرعد اسم3 ملك، وهو مناسب لأسماء الأنبياء.

فهذه ستة وجوه في مناسبة الاتصال بين يونس وما بعدها، وهي آكد من ذلك الوجه الواحد4 في تقديم يونس بعد الأعراف.

ولبعض هذه الأمور قدمت سورة الحجر على النحل، مع كونها أقصر منها، ولو أخرت براءة عن هذه السور الست [لبعدت] 5 المناسبة جدا لطولها بعد عدة6 سور أقصر منها بخلاف وضع سورة

دار الفضيلة للنشر والتوزيع