سورة النساء
ج ١ · ص ٨١
العبادات المحضة، فعلى وجه الاختصار1 والإيماء؛ كنظير ما وقع في البقرة من علوم بدء الخلق ونحوه، فإنه على وجه الإيجاز2 والإشارة.
فإن قلت: فلم لا أفتتح القرآن بهذه السورة مقدمة على سورة البقرة؛ لأن بدء الخلق سابق3 على الأحكام والتعبدات؟!
قلت: للإشارة إلى أن مصالح الدين والآخرة مقدمة على مصالح المعاش والدنيا، ولأن4 المقصود [من الخلق] 5 إنما هو العبادة، فقدم ما هو الأهم في نظر الشرع6، ولأن علم بدء الخلق كالفضلة، وعلم7 الأحكام والتكاليف متعين على كل واحد؛ فلذلك لا ينبغي النظر في علم بدء الخلق وما جرى مجراه من التواريخ إلا بعد النظر في علم الأحكام وإتقانه.
ثم ظهر لي بحمد الله وجه آخر -أتقن مما تقدم- وهو: أنه لما ذكر في سورة المائدة: {يا أيها الذين آمنوا لا تحرموا طيبات ما أحل الله لكم ولا تعتدوا} "المائدة: 87" إلى آخره [ثم ذكر بعده: {ما جعل الله من بحيرة} "المائدة: 103" إلى آخره] 8 فأخبر عن الكفار أنهم حرموا أشياء
ج ١ · ص ٨٢
مما رزقهم الله افتراء عليه، وكان القصد بذلك تحذير المؤمنين أن يحرموا شيئا مما أحل الله، فيشابهوا بذلك الكفار في صنيعهم، وكان ذكر ذلك على سبيل الإيجاز، ساق هذه السورة لبيان ما حرمه الكفار في صنيعهم، فأتى به على الوجه الأبين والنمط الأكمل، ثم جادلهم فيه، وأقام الدلائل على بطلانه، وعارضهم وناقضهم، إلى غير ذلك مما اشتملت عليه القصة1، فكانت هذه السورة شرحا لما تضمنته المائدة من ذلك على سبيل الإجمال، وتفصيلا وبسطا، وإتماما وإطنابا.
وافتتحت بذكر الخلق والملك2؛ لأن الخالق والمالك هو الذي له التصرف في ملكه ومخلوقاته إباحة ومنعا، وتحريما وتحليلا، فيجب ألا يتعدى عليه بالتصرف في ملكه.
وكانت هذه السورة بأسرها متعلقة بالفاتحة من وجه كونها شارحة لإجمال قوله: {رب العالمين} وبالبقرة3 من حيث شرحها لإجمال قوله: {الذي خلقكم والذين من قبلكم} "البقرة: 21"، وقوله: {هو الذي خلق لكم ما في الأرض جميعا} "البقرة: 29"، وبآل عمران من جهة تفصيلها لقوله: {والأنعام والحرث} "آل عمران: 14"، وقوله: {كل نفس ذائقة الموت} "آل عمران: 185" الآية.
وبالنساء من جهة ما فيها من بدء الخلق، والتقبيح لما حرموه على