سورة آل عمران
ج ١ · ص ٧٨
وقد افتتحت البقرة التي هي أول ما نزل في المدينة1، وختمت بالمائدة التي هي آخر ما نزل بها، كما في حديث الترمذي2.
ج ١ · ص ٧٩
قال بعضهم: مناسبة هذه السورة لآخر المائدة: أنها افتتحت بالحمد، وتلك ختمت بفصل القضاء، وهما متلازمتان كما قال: {وقضي بينهم بالحق وقيل الحمد لله رب العالمين} "الزمر: 75".
و [أقول] 1 قد ظهر لي بفضل الله مع ما قدمت الإشارة إليه في آية {زين للناس} 2: أنه لما ذكر في آخر المائدة: {لله ملك السماوات والأرض وما فيهن} "المائدة: 120" على سبيل الإجمال، افتتح هذه السورة بشرح ذلك وتفصيله.
فبدأ بذكر: أنه خلق السماوات والأرض، وضم إليه أنه جعل الظلمات والنور، وهو بعض ما تضمنه قوله: {وما فيهن} في آخر المائدة، وضمن قوله: {الحمد لله} [أول الأنعام] أن له ملك جميع المحامد، وهو من بسط [جميع] 3: {لله ملك السماوات والأرض وما فيهن} [في آخر المائدة] .
ثم ذكر: أنه خلق النوع الإنساني، وقضى له أجلا مسمى، وجعل له أجلا آخر للبعث، وأنه منشئ القرون قرنا بعد قرن، ثم قال: {قل لمن ما في السماوات والأرض قل لله} "12"، فأثبت له ملك جميع المنظورات، ثم قال: {وله ما سكن في الليل والنهار} "13"، فأثبت له ملك جميع المظروفات في4 الزمان، ثم ذكر أنه خلق سائر
سورة النساء
ج ١ · ص ٨٠
الحيوان، من الدواب والطير، ثم خلق النوم واليقظة، والموت والحياة، ثم أكثر في أثناء السورة من ذكر الخلق والإنشاء لما فيهن من النيرين، والنجوم، وفلق الإصباح، وخلق الحب والنوى، وإنزال الماء، وإخراج النبات والثمار بأنواعها، وإنشاء جنات معروشات وغير معروشات، والأنعام، ومنها حمولة وفرش، وكل ذلك تفصيل لملكه ما فيهن، وهذه مناسبة جليلة1.
و2 لما كان المقصود من هذه السورة بيان الخلق والملك، أكثر فيها من ذكر الرب الذي هو بمعنى المالك والخالق والمنشئ، واقتصر فيها على ما يتعلق بذلك من بدء الخلق الإنساني والملكوتي، والملكي والشيطاني، والحيواني والنباتي، وما تضمنته من الوصايا، فكلها متعلقة بالمعاش والقوام الدنيوي3، ثم أشار إلى أشراط الساعة [والبعث] 4.
فقد جمعت هذه السورة جميع المخلوقات بأسرها، وما يتعلق بها، وما يرجع إليها، فظهر بذلك مناسبة افتتاح السور المكية بها5، وتقديمها على ما تقدم نزوله منها.
وهي في جمعها الأصول والعلوم والمصالح الدنيوية نظير سورة البقرة في جمعها [الأصول و] 6 العلوم والمصالح الدينية، وما ذكر فيها من