تخطَّ إلى المحتوى

كتبٌ تُقرأ لا تُتصفَّح

سورة آل عمران — أسرار ترتيب القرآن

من أسرار ترتيب القرآن لـعبد الرحمن بن أبي بكر، جلال الدين السيوطي — الورقة ٧٥ من ١٨٩.

سورة آل عمران

ج ١ · ص ٧٦

فالصريح: عقود الأنكحة، وعقد الصداق، وعقد الحلف، في قوله: {والذين عقدت أيمانكم فآتوهم نصيبهم} "النساء: 33". وعقد الأيمان في هذه الآية، وبعد ذلك عقد المعاهدة والأمان في قوله: {إلا الذين يصلون إلى قوم بينكم وبينهم ميثاق} "النساء: 90"، وقوله: {وإن كان من قوم بينكم وبينهم ميثاق فدية} "النساء: 92".

والضمني: عقد الوصية، والوديعة، والوكالة، والعارية، والإجارة، وغير ذلك من الداخل في عموم قوله: {إن الله يأمركم أن تؤدوا الأمانات إلى أهلها} "النساء: 58"، فناسب أن يعقب بسورة مفتتحة بالأمر بالوفاء بالعقود، فكأنه قيل: {يا أيها الذين آمنوا أوفوا بالعقود} "1" التي فرغ من ذكرها في السورة التي تمت، فكان ذلك غاية في التلاحم والتناسب والارتباط.

ووجه آخر في تقديم سورة النساء، وتأخير سورة المائدة؛ وهو: أن تلك أولها: {يا أيها الناس} "النساء: 1"، وفيها الخطاب بذلك في مواضع، وهو أشبه بخطاب [الكفار وتنزيل] 1 المكي، [وهذه أولها: {يا أيها الذين آمنوا} "1" وفيها الخطاب بذلك في مواضع، وهو أشبه بخطاب المدني] 2 وتقديم العام3 وشبه المكي أنسب.

ثم إن هاتين السورتين في التلازم4 والاتحاد نظير البقرة وآل عمران، فتلكما في تقرير الأصول؛ من الوحدانية، والكتاب،

ج ١ · ص ٧٧

والنبوة، وهاتان في تقرير الفروع الحكمية1.

وقد ختمت المائدة بصفة القدرة، كما افتتحت النساء بذلك2.

وافتتحت النساء ببدء الخلق، وختمت المائدة بالمنتهى من البعث والجزاء3، فكأنهما سورة واحدة، اشتملت على الأحكام من المبتدأ إلى المنتهى.

ولما وقع في سورة النساء: {إنا أنزلنا إليك الكتاب بالحق لتحكم بين الناس} "النساء: 105" الآيات، وكانت4 نازلة في قصة سارق سرق درعا5، فصل في سورة المائدة أحكام السراق والخائنين.

ولما ذكر في سورة النساء أنه أنزل إليك الكتاب لتحكم بين الناس، ذكر في سورة المائدة آيات في الحكم بما أنزل الله حتى بين الكفار، وكرر قوله: {ومن لم يحكم بما أنزل الله} "44، 45، 46".

فانظر إلى هذه السور الأربع المدنيات، وحسن ترتيبها، وتلاحمها، وتناسقها، وتلازمها.

دار الفضيلة للنشر والتوزيع