سورة آل عمران
ج ١ · ص ٧٥
الناس جميعا ومن أحياها فكأنما أحيا الناس جميعا} "32"، وذلك أبسط من قوله [في البقرة] : {ولكم في القصاص حياة} "البقرة: 179".
وفي البقرة: {وإذ قلنا ادخلوا هذه القرية} "البقرة: 58"، وذكرت1 قصتها [هنا مطولة. وذكر في البقرة من ارتد مقتصرا عليه، وقال] 2 هنا: {فسوف يأتي الله بقوم يحبهم ويحبونه} "54".
وفي البقرة قصة الأيمان موجزة، وزاد هنا بسطا بذكر الكفارة3.
وفي البقرة قال في الخمر والميسر: {فيهما إثم كبير ومنافع للناس وإثمهما أكبر من نفعهما} "البقرة: 219". وزاد في هذه السورة ذمها، وصرح بتحريمها4.
وفيها من الاعتلاق بسورة الفاتحة: بيان المغضوب عليهم والضالين في قوله: {قل هل أنبئكم بشر من ذلك مثوبة عند الله من لعنه الله وغضب عليه} "60" الآية. وقوله: {قد ضلوا من قبل وأضلوا كثيرا وضلوا عن سواء السبيل} "77".
وأما اعتلاقها بسورة النساء، فقد ظهر لي فيه وجه بديع جدا؛ وذلك أن سورة النساء اشتملت على عدة عقود صريحا وضمنا،
ج ١ · ص ٧٦
فالصريح: عقود الأنكحة، وعقد الصداق، وعقد الحلف، في قوله: {والذين عقدت أيمانكم فآتوهم نصيبهم} "النساء: 33". وعقد الأيمان في هذه الآية، وبعد ذلك عقد المعاهدة والأمان في قوله: {إلا الذين يصلون إلى قوم بينكم وبينهم ميثاق} "النساء: 90"، وقوله: {وإن كان من قوم بينكم وبينهم ميثاق فدية} "النساء: 92".
والضمني: عقد الوصية، والوديعة، والوكالة، والعارية، والإجارة، وغير ذلك من الداخل في عموم قوله: {إن الله يأمركم أن تؤدوا الأمانات إلى أهلها} "النساء: 58"، فناسب أن يعقب بسورة مفتتحة بالأمر بالوفاء بالعقود، فكأنه قيل: {يا أيها الذين آمنوا أوفوا بالعقود} "1" التي فرغ من ذكرها في السورة التي تمت، فكان ذلك غاية في التلاحم والتناسب والارتباط.
ووجه آخر في تقديم سورة النساء، وتأخير سورة المائدة؛ وهو: أن تلك أولها: {يا أيها الناس} "النساء: 1"، وفيها الخطاب بذلك في مواضع، وهو أشبه بخطاب [الكفار وتنزيل] 1 المكي، [وهذه أولها: {يا أيها الذين آمنوا} "1" وفيها الخطاب بذلك في مواضع، وهو أشبه بخطاب المدني] 2 وتقديم العام3 وشبه المكي أنسب.
ثم إن هاتين السورتين في التلازم4 والاتحاد نظير البقرة وآل عمران، فتلكما في تقرير الأصول؛ من الوحدانية، والكتاب،