سورة النازعات وعبس والتكوير
ج ١ · ص ١٧٤
وشرفه في "لم يكن" بثلاثة أشياء: أنهم خير البرية، وجزاؤهم جنات، ورضي عنهم.
وشرفه في "الزلزلة" بثلاثة أنواع: إخبار الأرض بطاعة أمته، ورؤيتهم أعمالهم، ووصولهم إلى ثوابها حتى وزن الذرة.
وشرفه في "العاديات" بإقسامه بخيل الغزاة من أمته، ووصفها بثلاث صفات.
وشرفه في "القارعة" بثقل موازين أمته، وكونهم في عيشة راضية، ورؤيتهم أعداءهم في نار حامية.
وفي "ألهاكم التكاثر" هدد المعرضين عن دينه بثلاثة: يرون الجحيم، ثم يرونها عين اليقين، ويسألون عن النعيم.
وشرفه في "العصر" بمدح أمته بثلاثة: الإيمان، والعمل الصالح، وإرشاد الخلق إليه؛ وهو: التواصي بالحق والصبر.
وشرفه في سورة "الهمزة" بوعيد عدوه بثلاثة أنواع من العذاب1: ألا ينتفع بدنياه، وينبذ2 في الحطمة، ويغلق عليه.
وشرفه في سورة "الفيل" أن رد كيد عدوه بثلاث: بأن جعله في تضليل، وأرسل عليهم طيرا أبابيل، وجعلهم كعصف مأكول.
وشرفه في سورة "قريش" [بأن راعى مصلحة أسلافه من ثلاثة أوجه] 3: تآلف قومه، وإطعامهم، وأمنهم.
وشرفه في "الماعون" بذم عدوه بثلاث: الدناءة، واللؤم في قوله:
سورة الانفطار والمطففين
ج ١ · ص ١٧٥
{فذلك الذي يدع اليتيم، ولا يحض على طعام المسكين} "الماعون: 2، 3"، وترك تعظيم الخالق في قوله: {فويل للمصلين، الذين هم عن صلاتهم ساهون، الذين هم يراؤون} "الماعون: 4-6"، وترك انتفاع1 الخلق في قوله: {ويمنعون الماعون} "الماعون: 7".
فلما شرفه في هذه السور بهذه الوجوه العظيمة قال: {إنا أعطيناك الكوثر} أي: هذه الفضائل المتكاثرة المذكورة في هذه السور، التي كل واحدة منها أعظم من ملك الدنيا بحذافيرها، فاشتغل أنت بعبادة ربك، إما بالنفس، وهو قوله: {فصل لربك} "الكوثر: 2"، وإما بالمال وهو قوله: {وانحر} ، وإما بإرشاد العباد إلى الأصلح، وهو قوله: {قل يا أيها الكافرون، لا أعبد ما تعبدون} "الكافرون:1، 2" الآيات، فثبت أن هذه السورة كالتتمة لما قبلها.
وأما كونها كالأصل لما بعدها فهو: أنه تعالى يأمره بعد هذه أن يكف عن أهل الدنيا جميعا بقوله: {قل يا أيها الكافرون} إلى آخر السورة، ويبطل أديانهم2، وذلك يقتضي نصرهم على أعدائهم؛ لأن الطعن على الإنسان في دينه أشد عليه من الطعن3 في نفسه وزوجه4، وذلك مما يجبن عنه كل أحد من الخلق؛ فإن موسى وهارون أرسلا إلى فرعون واحد فقالا: {إننا نخاف أن يفرط علينا أو أن يطغى} "طه: 45" ومحمد -صلى الله عليه وسلم- مرسل إلى الخلق جميعا، فكأن كل واحد من الخلق كفرعون بالنسبة إليه، فدبر الله في إزالة الخوف الشديد تدبيرا لطيفا بأن قدم هذه السورة، وأخبر فيها بإعطائه الخير الكثير، ومن