تخطَّ إلى المحتوى

كتبٌ تُقرأ لا تُتصفَّح

سورة يس — أسرار ترتيب القرآن

من أسرار ترتيب القرآن لـعبد الرحمن بن أبي بكر، جلال الدين السيوطي — الورقة ١٣٩ من ١٨٩.

سورة يس

ج ١ · ص ١٤٠

أقول: ظهر لي في وجه اتصالها بما قبلها: أنه تعالى لما ذكر في سورة الصف حال موسى مع قومه، وأذاهم له، ناعيا عليهم ذلك1، وذكر في هذه السورة حال الرسول -صلى الله عليه وسلم- وفضل أمته؛ تشريفا لهم؛ ليظهر فضل ما بين الأمتين؛ ولذا لم يعرض فيها لذكر اليهود.

وأيضا لما ذكر2 هناك قول عيسى: {ومبشرا برسول يأتي من بعدي اسمه أحمد} "الصف: 6"، قال هنا: {هو الذي بعث في الأميين رسولا منهم} "2" إشارة إلى أنه الذي بشر به عيسى، وهذا وجه حسن في الربط.

وأيضا لما ختم تلك السورة بالأمر بالجهاد وسماه تجارة، ختم هذه بالأمر بالجمعة، وأخبر أنها خير من التجارة الدنيوية.

وأيضا فتلك سورة الصف، والصفوف تشرع في موضعين: القتال، والصلاة، فناسب تعقيب سورة صف القتال بسورة صلاة تستلزم الصف ضرورة، وهي الجمعة؛ لأن الجماعة شرط فيها دون سائر الصلوات.

فهذه وجوه أربعة فتح الله بها.

سورة الصفافات

ج ١ · ص ١٤١

أقول: وجه اتصالها بما قبلها: أن سورة الجمعة ذكر فيها المؤمنون، وهذه ذكر فيها أضدادهم، وهم المنافقون؛ ولهذا أخرج الطبراني في الأوسط عن أبي هريرة: أن رسول الله -صلى الله عليه وسلم- كان يقرأ في صلاة الجمعة بسورة الجمعة يحرض بها المؤمنين، وبسورة المنافقين يفزع بها المنافقين1.

وتمام المناسبة: أن السورة التي بعدها فيها ذكر المشركين، والسورة التي قبل الجمعة فيها ذكر أهل الكتاب من اليهود والنصارى2، والتي قبلها وهي الممتحنة فيها ذكر المعاهدين من المشركين3، والتي قبلها وهي الحشر فيها المعاهدين من أهل الكتاب4؛ فإنها نزلت في بني النضير حين نبذوا العهد وقوتلوا.

وبذلك اتضحت المناسبة في ترتيب هذه السور الست هكذا؛ لاشتمالها على أصناف الأمم، وفي الفصل بين المسبحات بغيرها5؛ لأن إيلاء سورة المعاهدين من أهل الكتاب بسورة المعاهدين من المشركين أنسب من ترك ذلك6، وإيلاء سورة المؤمنين بسورة المنافقين أنسب من غيره.

فظهر بذلك أن الفصل بين المسبحات التي هي نظائر لحكمة دقيقة من لدن حكيم خبير، فلله الحمد على ما فهم وألهم.

هذا وقد ورد عن ابن عباس في ترتيب النزول: أن

نزلت عقب الجمعة7، وتقدم نزول سورة "المنافقون" فما فصل بينهما إلا لحكمة، والله أعلم.

دار الفضيلة للنشر والتوزيع