قال تعالى: (ومثل الذين ينفقون أموالهم ابتغاء مرضاة الله وتثبيتا من أنفسهم كمثل جنة بربوة أصابها وابل فآتت أكلها ضعفين فإن لم يصبها وابل فطل والله بما تعملون بصير (265))
ج ١ · ص ٤٢١
(برءوسكم) : الباء زائدة، وقال من لا خبرة له بالعربية: الباء في مثل هذا للتبعيض، وليس بشيء يعرفه أهل النحو. ووجه دخولها أنها تدل على إلصاق المسح بالرأس. (وأرجلكم) : يقرأ بالنصب، وفيه وجهان:
أحدهما: هو معطوف على الوجوه والأيدي؛ أي: فاغسلوا وجوهكم وأيديكم وأرجلكم، وذلك جائز في العربية بلا خلاف، والسنة الدلالة على وجوب غسل الرجلين تقوي ذلك. والثاني: أنه معطوف على موضع برءوسكم، والأول أقوى؛ لأن العطف على اللفظ أقوى من العطف على الموضع.
ويقرأ في الشذوذ بالرفع على الابتداء؛ أي: وأرجلكم مغسولة كذلك، ويقرأ بالجر، وهو مشهور أيضا كشهرة النصب، وفيها وجهان: أحدهما: أنها معطوفة على الرءوس في الإعراب، والحكم مختلف، فالرءوس ممسوحة، والأرجل مغسولة، وهو الإعراب الذي يقال هو على الجوار، وليس بممتنع أن يقع في القرآن لكثرته، فقد جاء في القرآن والشعر، فمن القرآن قوله تعالى: (وحور عين) [الواقعة: 22] على قراءة من جر، وهو معطوف على قوله: (بأكواب وأباريق) والمعنى مختلف؛ إذ ليس المعنى يطوف عليهم ولدان مخلدون بحور عين قال الشاعر وهو النابغة: لم يبق إلا أسير غير منفلت أو موثق في حبال القيد مجنوب.
قال تعالى: (أيود أحدكم أن تكون له جنة من نخيل وأعناب تجري من تحتها الأنهار له فيها من كل الثمرات وأصابه الكبر وله ذرية ضعفاء فأصابها إعصار فيه نار فاحترقت كذلك يبين الله لكم الآيات لعلكم تتفكرون (266))
ج ١ · ص ٤٢٢
والقوافي مجرورة، والجوار مشهور عندهم في الإعراب، وقلب الحروف ببعضها إلى بعض والتأنيث وغير ذلك. فمن الإعراب ما ذكرنا في العطف، ومن الصفات قوله: (عذاب يوم محيط) [هود: 84] واليوم ليس بمحيط، وإنما المحيط العذاب.
وكذلك قوله: (في يوم عاصف) [إبراهيم: 18] واليوم ليس بعاصف، وإنما العاصف الريح، ومن قلب الحروف قوله عليه الصلاة والسلام: «ارجعن مأزورات غير مأجورات» . والأصل موزورات، ولكن أريد التآخي، وكذلك قولهم: إنه لا يأتينا بالغدايا والعشايا، ومن التأنيث قوله: (فله عشر أمثالها) [الأنعام: 160] فحذفت التاء من عشر، وهي مضافة إلى الأمثال، وهي مذكرة، ولكن لما جاورت الأمثال الضمير المؤنث أجرى عليها حكمه، وكذلك قول الشاعر:
لما أتى خبر الزبير تضعضعت ... سور المدينة والجبال الخشع.
وقولهم: ذهبت بعض أصابعه.
ومما راعت العرب فيه الجوار قولهم: قامت هند، فلم يجيزوا حذف التاء إذا لم يفصل بينهما؛ فإن فصلوا بينهما أجازوا حذفها، ولا فرق بينهما إلا المجاورة، وعدم
المجاورة. ومن ذلك قولهم: قام زيد وعمرا كلمته - استحسنوا النصب بفعل محذوف لمجاورة الجملة اسما قد عمل فيه الفعل، ومن ذلك قلبهم الواو المجاورة للطرف همزة في قولهم: أوائل؛ كما لو وقعت طرفا، وكذلك إذا بعدت عن الطرف لا تقلب نحو طواويس، وهذا موضع يحتمل أن يكتب فيه أوراق من الشواهد، وقد جعل النحويون له بابا، ورتبوا عليه مسائل، ثم أصلوه بقولهم: «جحر ضب خرب» حتى اختلفوا في جواز جر التثنية والجمع. فأجاز الإتباع فيهما جماعة من حذاقهم، قياسا على المفرد المسموع، ولو كان لا وجه له في القياس بحال، لاقتصروا فيه على المسموع فقط،