تخطَّ إلى المحتوى

كتبٌ تُقرأ لا تُتصفَّح

[الحديث الثاني والأربعون قال الله تعالى يابن آدم إنك ما دعوتني ورجوتني غفرت لك على ما كان منك ولا أبالي] — جامع العلوم والحكم

من جامع العلوم والحكم لـعبد الرحمن بن أحمد ابن رجب الحنبلي — الورقة ٨٧٣ من ٩٩٩.

[الحديث الثاني والأربعون قال الله تعالى يابن آدم إنك ما دعوتني ورجوتني غفرت لك على ما كان منك ولا أبالي]

ج ٢ · ص ٤٠٨

غفرانك، اللهم غفرانك، اللهم غفرانك، ثم مات فغفر له. ويشهد لهذا ما في " الصحيحين " عن أبي هريرة، عن النبي صلى الله عليه وسلم: «أن عبدا أذنب ذنبا، فقال: رب أذنبت ذنبا فاغفر لي، قال الله تعالى: علم عبدي أن له ربا يغفر الذنب، ويأخذ به، غفرت لعبدي، ثم مكث ما شاء الله، ثم أذنب ذنبا آخر، فذكر مثل الأول مرتين أخريين» وفي رواية لمسلم أنه قال في الثالثة: «قد غفرت لعبدي، فليعمل ما شاء» . والمعنى: ما دام على هذا الحال كلما أذنب استغفر. والظاهر أن مراده الاستغفار المقرون بعدم الإصرار، ولهذا في حديث أبي بكر الصديق، عن النبي صلى الله عليه وسلم، قال: «ما أصر من استغفر وإن عاد في اليوم سبعين مرة» خرجه أبو داود والترمذي. وأما استغفار اللسان مع إصرار القلب على الذنب، فهو دعاء مجرد إن شاء الله أجابه، وإن شاء رده. وقد يكون الإصرار مانعا من الإجابة، وفي " المسند " من حديث عبد الله بن عمرو مرفوعا: «ويل للذين يصرون على ما فعلوا وهم يعملون» . وخرج ابن أبي الدنيا من حديث ابن عباس مرفوعا: «التائب من الذنب كمن لا ذنب له، والمستغفر من ذنب وهو مقيم عليه كالمستهزئ بربه» ورفعه

ج ٢ · ص ٤٠٩

منكر، ولعله موقوف. قال الضحاك: ثلاثة لا يستجاب لهم، فذكر منهم رجل مقيم على امرأة زنا قضى منها شهوته، قال: رب اغفر لي ما أصبت من فلانة، فيقول الرب: تحول عنها، وأغفر لك، فأما ما دمت مقيما عليها، فإني لا أغفر لك، ورجلا عنده مال قوم يرى أهله، فيقول: رب اغفر لي ما آكل من فلان، فيقول تعالى: رد إليهم مالهم، وأغفر لك، وأما ما لم ترد إليهم، فلا أغفر لك. وقول القائل: أستغفر الله، معناه: أطلب مغفرته، فهو كقوله: اللهم اغفر لي، فالاستغفار التام الموجب للمغفرة: هو ما قارن عدم الإصرار، كما مدح الله أهله، ووعدهم بالمغفرة، قال بعض العارفين: من لم يكن ثمرة استغفاره تصحيح توبته، فهو كاذب في استغفاره، وكان بعضهم يقول: استغفارنا هذا يحتاج إلى استغفار كثير، وفي ذلك يقول بعضهم:

أستغفر الله من أستغفر الله ... من لفظة بدرت خالفت معناها

وكيف أرجو إجابات الدعاء وقد ... سددت بالذنب عند الله مجراها

فأفضل الاستغفار ما اقترن به ترك الإصرار، وهو حينئذ توبة نصوح، وإن قال بلسانه: أستغفر الله وهو غير مقلع بقلبه، فهو داع لله بالمغفرة، كما يقول: اللهم اغفر لي، وهو حسن وقد يرجى له الإجابة، وأما من قال: " توبة الكذابين، فمراده أنه ليس بتوبة، كما يعتقده بعض الناس، وهذا حق، فإن التوبة لا تكون مع الإصرار. وإن قال: أستغفر الله وأتوب إليه فله حالتان:

ت. شعيب الأرناؤوط وإبراهيم باجس — مؤسسة الرسالة، بيروت