[الحديث الخامس والثلاثون لا تحاسدوا ولا تناجشوا ولا تباغضوا ولا تدابروا ولا يبع بعضكم على بيع بعض]
ج ٢ · ص ٢٦١
وقسم آخر من الناس إذا حسد غيره، لم يعمل بمقتضى حسده، ولم يبغ على المحسود بقول ولا بفعل. وقد روي عن الحسن أنه لا يأثم بذلك، وروي مرفوعا من وجوه ضعيفة، وهذا على نوعين: أحدهما: أن لا يمكنه إزالة ذلك الحسد من نفسه، فيكون مغلوبا على ذلك، فلا يأثم به.
والثاني: من يحدث نفسه بذلك اختيارا، ويعيده ويبديه في نفسه مستروحا إلى تمني زوال نعمة أخيه، فهذا شبيه بالعزم المصمم على المعصية، وفي العقاب على ذلك اختلاف بين العلماء، وربما يذكر في موضع آخر إن شاء الله تعالى، لكن هذا يبعد أن يسلم من البغي على المحسود، ولو بالقول، فيأثم بذلك.
وقسم آخر إذا حسد لم يتمن زوال نعمة المحسود، بل يسعى في اكتساب مثل فضائله، ويتمنى أن يكون مثله، فإن كانت الفضائل دنيوية، فلا خير في ذلك، كما قال الذين يريدون الحياة الدنيا: {ياليت لنا مثل ما أوتي قارون} [القصص: 79] [القصص: 79] ، وإن كانت فضائل دينية، فهو حسن، وقد تمنى النبي صلى الله عليه وسلم الشهادة في سبيل الله عز وجل. وفي " الصحيحين " عنه صلى الله عليه وسلم، قال: «لا حسد إلا في اثنتين: رجل آتاه الله مالا، فهو ينفقه آناء الليل وآناء النهار، ورجل آتاه الله القرآن، فهو يقوم به آناء الليل وآناء النهار» ، وهذا هو الغبطة، وسماه حسدا من باب الاستعارة.
ج ٢ · ص ٢٦٢
وقسم آخر إذا وجد في نفسه الحسد، سعى في إزالته، وفي الإحسان إلى المحسود بإسداء الإحسان إليه، والدعاء له، ونشر فضائله، وفي إزالة ما وجد له في نفسه من الحسد حتى يبدله بمحبة أن يكون أخوه المسلم خيرا منه وأفضل، وهذا من أعلى درجات الإيمان، وصاحبه هو المؤمن الكامل الذي يحب لأخيه ما يحب لنفسه، وقد سبق الكلام على هذا في تفسير حديث: «لا يؤمن أحدكم حتى يحب لأخيه ما يحب لنفسه» .
وقوله صلى الله عليه وسلم: ولا تناجشوا: فسره كثير من العلماء بالنجش في البيع، وهو: أن يزيد في السلعة من لا يريد شراءها، إما لنفع البائع لزيادة الثمن له، أو بإضرار المشتري بتكثير الثمن عليه، وفي " الصحيحين " عن ابن عمر، عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه «نهى عن النجش» .
وقال ابن أبي أوفى: الناجش: آكل ربا خائن، ذكره البخاري.
قال ابن عبد البر: أجمعوا على أن فاعله عاص لله عز وجل إذا كان بالنهي عالما.
واختلفوا في البيع، فمنهم من قال: إنه فاسد، وهو رواية عن أحمد، اختارها طائفة من أصحابه، ومنهم من قال: إن كان الناجش هو البائع أو من واطأه البائع على النجش فسد، لأن النهي هنا يعود إلى العاقد نفسه، وإن لم يكن كذلك لم يفسد، لأنه يعود إلى أجنبي. وكذا حكي عن الشافعي أنه علل