سورة البقرة
ج ١ · ص ٣٥٣
والكسائى قراوا: (فنعما هي) - بفتح النون وكسر العين.
وذكر أبو عبيد أنه روي عن النبي - صلى الله عليه وسلم - قوله لابن العاص: نعما بالمال الصالح للرجل الصالح.
فذكر أبو عبيد أنه يختار هذه القراءة من أجل هذه
الرواية.
ولا أحسب أصحاب الحديث ضبطوا هذا، ولا هذه القراءة عند
البصريين النحويين جائزة ألبتة، لأن فيها الجمع بين ساكنين من غير حرف ما
ولين.
فأما ما قرأناه من حرف عاصم ورواية أبي عمرو (فنعما هي)، بكسر النون
والعين، فهذا جيد بالغ لأن ههنا كسر العين والنون، وكذلك قراءة أهل
الكوفة (نعما هي) جيدة لأن الأصل في نعم نعم ونعم. ونعم فيها ثلاث
لغات، ولا يجوز مع إدغام الميم نعما هي. و " ما " في تأويل - الشيء زعم
البصريون أن نعما هي: نعم الشيء هي. وقد فسرنا هذا فيما مضى.
ومعنى: (وإن تخفوها وتؤتوها الفقراء فهو خير).
هذا كان على عهد رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فكان الإخفاء في إيتاء الزكاة أحسن، فأما اليوم فالناس يسيئون الظن، فإظهار الزكاة أحسن، فأما التطوع فإخفاؤه أحسن، لأنه أدل على أنه يريد الله به وحده.
يقال أخفيت الشيء إخفاء إذا سترته، وخفي خفاء إذا استتر، وخفيته أخفيه خفيا إذا أظهرته، وأهل المدينة يسمون النباش: المختفي.
قال الشاعر في خفيته أظهرته:
ج ١ · ص ٣٥٤
فإن تدفنوا الداء لا نخفه. . .وإن تبعثوا الحرب لا نقعد
* * *
وقوله عز وجل: (ليس عليك هداهم ولكن الله يهدي من يشاء وما تنفقوا من خير فلأنفسكم وما تنفقون إلا ابتغاء وجه الله وما تنفقوا من خير يوف إليكم وأنتم لا تظلمون (272)
معناه إنما عليك الإبلاغ كما قال - جل وعز - (ولا تسأل عن أصحاب الجحيم (119).
ومعنى: (ولكن الله يهدي من يشاء).
أي يوفق من يشاء للهداية، وقال قوم: لو شاء الله لهداهم أي
لاضطرهم إلى أن يهتدوا - كما قال: (إن نشأ ننزل عليهم من السماء آية فظلت أعناقهم لها خاضعين (4).
وكما قال - عز وجل - (ولو شاء الله لجمعهم على الهدى)
وهذا ليس كذلك. هذا فيه: (ولكن الله يهدي من يشاء).
فلا مهتدي إلا بتوفيق الله - كما قال: (وما توفيقي إلا بالله).
ومعنى: (وما تنفقون إلا ابتغاء وجه الله).
هذا خاص للمؤمنين، أعلمهم أنه قد علم أنهم يريدون بنفقتهم ما عند
الله جل وعز، لأنه إذا أعلمهم ذلك فقد علموا أنهم مثابون عليه، كما قال: (وما تنفقوا من خير يوف إليكم وأنتم لا تظلمون).
* * *
وقوله عز وجل: (فهو خير لكم ويكفر عنكم من سيئاتكم).
الرفع في (يكفر) والجزم جائزان، ويقرأ - ونكفر عنكم - بالنون والياء.
وزعم سيبويه أنه يختار الرفع في ويكفر، قال لأن ما بعد الفاء قد صار بمنزلته