سورة الفتح
ج ٥ · ص ٣٢
اختبر الله قلوبهم فوجدهم مخلصين - كما تقول: قد امتحنت هذا الذهب
وهذه الفضة. تأويله قد اختبرتهما بأن أذبتهما حتى خلصت الذهب والفضة
فعلمت حقيقة كل واحد منهما.
* * *
وقوله: (إن الذين ينادونك من وراء الحجرات أكثرهم لا يعقلون (4)
يقرأ بضم الحاء والجيم، والحجرات بفتح الجيم، ويجوز في اللغة
الحجرات. بتسكين الجيم - ولا أعلم أحدا قرأ بالتسكين وقد فسرنا هذا
الجمع فيما تقدم من الكتاب.
وواحد الحجرات حجرة. ويجوز أن تكون الحجرات جمع حجر
وحجرات، والأجود أن تكون الحجرات جمع حجرة، وأن الفتح جاز بدلا من الصفة لثقل الضمتين.
وهؤلاء قوم جاءوا إلى النبي - صلى الله عليه وسلم - من بني تميم فنادوه من وراء الحجرات.
ولهم في التفسير حديث فيه طول، وجملته أنهم جاءوا يفاخرون
النبي وأنهم لم يلقوه بما يجب له عليه السلام.
* * *
قال: (ولو أنهم صبروا حتى تخرج إليهم لكان خيرا لهم والله غفور رحيم (5)
أي - من تاب بعد هذا الفعل فالله غفور رحيم.
* * *
وقوله عز وجل: (يا أيها الذين آمنوا إن جاءكم فاسق بنبإ فتبينوا أن تصيبوا قوما بجهالة فتصبحوا على ما فعلتم نادمين (6)
ويقرأ فتثبتوا أن تصيبوا.
(قوما بجهالة).
جاء في التفسير أنها نزلت بسبب الوليد بن عقبة.
وكان رسول الله - صلى الله عليه وسلم - بعثه ساعيا يجبي صدقات بني المصطلق، وكان بينه وبينهم أحنة أي عداوة،
سورة الحجرات
ج ٥ · ص ٣٣
فلما اتصل بهم خبره وقد خرج نحوهم قال بعضهم لبعض: قد علمتم ما بيننا
وبين هذا الرجل، فامنعوه صدقاتكم، فاتصل به ذلك فرجع إلى النبي - صلى الله عليه وسلم - فأخبره أنهم منعوه الصدقة وأنهم ارتدوا، وأعدوا السلاح للحرب، فوجه رسول الله - صلى الله عليه وسلم - بخالد بن الوليد ومعه جيش، وتقدم إليه أن ينزل بعقوتهم ليلا، فإن
رأى ما يدل على إقامتهم على الإسلام من الأذان والصلاة والتهجد أمسك عن محاربتهم، وطالبهم بصدقاتهم فلما صار خالد إليهم ليلا سمع النداء
بالصلاة، ورآهم يصلون ويتهجدون، وقالوا له: قد استبطأنا رسالة رسول
الله - صلى الله عليه وسلم - في الصدقات، وسلموها إليه، فأنزل الله - عز وجل - (إن جاءكم فاسق بنبأ) أي بخبر (فتبينوا أن تصيبوا قوما بجهالة)
أي كراهة أن تصيبوا قوما بجهالة
وهذا دليل أنه لا يجوز أن يقبل خبر من فاسق [إلا أن] (1) يتبين وأن الثقة يجوز قبول خبره.
والثقة من لم تجرب عليه شهادة زور ولا يعرف بفسق ولا جلد في حد، وهو مع ذلك صحيح التمييز.
* * *
وقوله عز وجل: (واعلموا أن فيكم رسول الله لو يطيعكم في كثير من الأمر لعنتم ولكن الله حبب إليكم الإيمان وزينه في قلوبكم وكره إليكم الكفر والفسوق والعصيان أولئك هم الراشدون (7)
أي لو أطاع مثل هذا المخبر الذي أخبره بما لا أصل له لوقعتم في
عنت، والعنت الفساد والهلاك.
(ولكن الله حبب إليكم الإيمان). .
هذا يعنى به المؤمنون المخلصون.
(وزينه في قلوبكم).
ويحتمل (في قلوبكم) وجهين:
أحدهما أنه دلهم عليه بالحجج القاطعة البينة، والآيات التي أتى بها النبي - صلى الله عليه وسلم - المعجزة.
والثاني أنه زينه في قلوبهم بتوفيقه إياهم.