سورة النساء
ج ٢ · ص ٤٧
يقال هجرت الإنسان والشيء أهجره هجرا وهجرانا، وأهجر فلان
منصبه يهجره إهجارا. . إذا تكلم بالقبيح، وهجر الرجل هجرا إذا هذى.
وهجرت البعير أهجره هجرا إذا جعلت له هجارا. والهجار حبل يشد في حقو البعير وفي رسغه، وهجرت تهجيرا إذا قمت قت الهاجة، وهو انتصاف
النهار.
فأمر الله - عز وجل - في النساء أن يبدأن بالموعظة أولا، ثم بالهجران
بعد، وإن لم ينجعا فيهن فالضرب، ولكن لا يكون ضربا مبرحا فإن أطعن فيما يلتمس منهن، فلا يبغي عليهن سبيلا، أي لا يطلب عليهن طريق عنت.
(إن الله كان عليا كبيرا).
أي هو متعال أن يكلف إلا بالحق ومقدار الطاقة.
* * *
وقوله جل وعز (وإن خفتم شقاق بينهما فابعثوا حكما من أهله وحكما من أهلها إن يريدا إصلاحا يوفق الله بينهما إن الله كان عليما خبيرا (35)
قال بعضهم. . (خفتم) ههنا في معنى أيقنتم وهذا خطأ، لو علمنا
الشقاق على الحقيقة لم يجنح إلى الحكمين. وإنما يخاف الشقاق
والشقاق العداوة، واشتقاقه من - المتشاقين - كل صنف منهن في شق، أي في ناحية، فأمر الله تعالى - (إن خفتم) وقوع العداوة بين المرء وزوجه - أن
يبعثوا حكمين، حكم من أهل المرأة وحكما من أهل الرجل، والحكم
القيم بما يسند إليه.
ويروى عن علي بن أبي طالب - رضي الله عنه - أنه اجتمع إليه فئام
ج ٢ · ص ٤٨
من الناس، - أي جمع كثير مع امراة وزوجها، قد وقع بينهما اختلاف فأمر
حكمين أن يتعرفا أمرهما، وقال لهما اتدريان ما عليكما؟
إن عليكما إن رأيتما أن تفرقا فرقتما، وإن رأيتما أن تجمعا جمعتما.
وقال بعضهم على الحكمين أن يعظا ويعرفا ما على كل واحد من الزوج
والمرأة في مجاوزة الحق، فإن - رأيا أن يفرقا فرقا، وإن رأيا أن يجمعا جمعا.
وحقيقة أمر الحكمين أنهما يقصدان للإصلاح، وليس لهما طلاق وإنما
عليهما أن يعرفا الإمام حقيقة ما وقفا عليه، فإن رأى الإمام أن يفرق فرق، أو أن يجمع جمع، وإن وكلهما بتفريق أو بجمع فهما بمنزلة، وما فعل على
" رضي الله عنه " فهو فعل للإمام أن يفعله، وحسبنا بعلي عليه السلام إماما.
فلما قال لهما إن رأيتما أن تجمعا جمعتما، وإن رأيتما أن تفرقا فرقتما، كان
قد ولاهما ذلك ووكلهما فيه.
(إن الله كان عليما خبيرا).
أي (عليما) بما فيه الصلاح للخلق (خبيرا) بذلك.
* * *
وقوله: (واعبدوا الله ولا تشركوا به شيئا وبالوالدين إحسانا وبذي القربى واليتامى والمساكين والجار ذي القربى والجار الجنب والصاحب بالجنب وابن السبيل وما ملكت أيمانكم إن الله لا يحب من كان مختالا فخورا (36)
أي لا تعبدوا معه غيره، فإن ذلك يفسد عبادته.
(وبالوالدين إحسانا).
المعنى أوصاكم الله بعبادته، وأوصاكم بالوالدين إحسانا، وكذلك قوله
تعالى: (وقضى ربك ألا تعبدوا إلا إياه وبالوالدين إحسانا). لأن معنى
قضى ههنا أمر ووصى.