سورة آل عمران
ج ١ · ص ٤٩٠
قرئث (ولا تحسبن الذين كفروا أنما نملي لهم خير)
وقد قرلت (ولا تحسبن الذين كفروا إنما نملي)
معني (نملي لهم) نؤخرهم - وهؤلاء قوم أعلم الله النبي - صلى الله عليه وسلم - أنهم لا يؤمنون أبدا، وأن بقاءهم يزيدهم كفرا وإثما.
وأما الإعراب - فقال أبو العباس محمد بن يزيد: إن من قرأ بالياء
(يحسبن) فتح أن، وكانت تنوب عن الاسم والخبر تقول حسبت أن زيدا
منطلق، ويصح الكسر مع الياء - بفتح (ولا يحسبن الذين كفروا إنما نملي
لهم) بكسر إن. وهو جائز على قبحه، لأن الحسبان ليس بفعل حقيقي فهو
يبطل عمله مع أن، كما يبطل مع اللام، تقول حسبت لعبد الله منطلق.
وكذلك قد يجوز على بعد: حسبت أن عبد الله منطلق.
ومن قرأ (ولا تحسبن الذين كفروا) لم يجز له، عند البصريين إلا كسر
(إن)
المعنى: لا تحسبن الذين كفروا، إملاؤنا خير لهم ودخلت أن مؤكدة.
اذا فتحت (أن) صار المعنى ولا تحسبن الذين كفروا إملائا
قال أبو إسحاق وهو عندي في هذا الموضع يجوز على البدل من الذين.
المعنى لا نحسبن إملاءنا للذين كفروا خيرا لهم وقد قرأ بها خلق كثير.
ومثل هذه القراءة من الشعر
قول الشاعر:
فما كان قيس هلكه هلك واحد. . . ولكنه بنيان قوم تهدما
ج ١ · ص ٤٩١
جعل هلكه بدلا من قيس، المعنى فما كان هلك - قيس هلك واحد.
* * *
وقوله عز وجل: (ما كان الله ليذر المؤمنين على ما أنتم عليه حتى يميز الخبيث من الطيب وما كان الله ليطلعكم على الغيب ولكن الله يجتبي من رسله من يشاء فآمنوا بالله ورسله وإن تؤمنوا وتتقوا فلكم أجر عظيم (179)
يروى في التفسير أن الكفار قالوا للنبي - صلى الله عليه وسلم - تخبرنا بأن الإنسان في النار حتى إذا صار من أهل ملتك قلت إنه من أهل الجنة.
فأعلم الله عز وجل - أن حكم من كفر أن يقال له: إنه من أهل النار، ومن آمن فهو - ما آمن وأقام على إيمانه وأدى ما افترض عليه - من أهل الجنة، أعلم أن المؤمنين وهم (الطيب) مميزون من الخبيث أي مخلصون.
* * *
وقوله عز وجل: (وما كان الله ليطلعكم على الغيب).
أي ما كان الله ليعلمكم من " يصير منكم مؤمنا بعد كفره، لأن الغيب
إنما يطلع عليه الرسل لإقامة البرهان، لأنهم رسل وأن ما أتوا به من عند الله، وقد قيل في التفسير: ما با لنا نحن لا نكون أنبياء، فأعلم الله أن ذلك إليه، وأنه يختار لرسالاته من يشاء.
* * *
وقوله عز وجل: (ولا يحسبن الذين يبخلون بما آتاهم الله من فضله هو خيرا لهم بل هو شر لهم سيطوقون ما بخلوا به يوم القيامة ولله ميراث السماوات والأرض والله بما تعملون خبير (180)
هذا يعني به علماء إليهود الذين بخلوا بما آتاهم الله من علم نبوة
النبي - صلى الله عليه وسلم - ومشاقته وعداوته
وقد قيل إنهم الذين يبخلون بالمال فيمنعون الزكاة.
قال أهل العربية: المعنى، لا يحسبن الذين يبخلون البخل هو خيرا لهم.
ودل (يبخلون) على البخل. و (هو) ههنا فصل، وهو الذي يسميه الكوفيون العماد، وقد فسرناه إلا أنا أغفلنا فيه شيئا نذكره ههنا: