سورة آل عمران
ج ١ · ص ٤٦٨
الجنة مسيرة أربعين عاما، وليأتين عليه يوم يزدحم عليه الناس؛ كما تزدحم
الإبل وردت خمصا. ظماء.
* * *
وقوله عز وجل: (الذين ينفقون في السراء والضراء والكاظمين الغيظ والعافين عن الناس والله يحب المحسنين (134)
أي أعدت للذين جرى ذكرهم وللذين يكظمون الغيظ، ويروي عن
النبي - صلى الله عليه وسلم -
" ما من جرعة يتجرعها الإنسان أعظم أجرا من جرعة غيظ في الله ".
يقال كظمت الغيظ أكظمه كظما إذا أمسكت على ما في نفسي منه.
ويقال كظم البعير على جرته إذا ردها في حلقه، وكظم البعير والناقة كظوما إذا لم يجتر.
قال الراعي:
فأفضن بعد كظومهن بجرة. . . من ذي الأباطح أذرعين حقيلا.
والكظامة سير يشد به الوتر على سية القوس العربية، والكظمية.
والكظائم حفائر تحفر من بئر إلى بئر ليجري الماء من بعضها إلى بعض
وكاظمة موضع بالبادية.
* * *
وقوله عز وجل: (والذين إذا فعلوا فاحشة أو ظلموا أنفسهم ذكروا الله فاستغفروا لذنوبهم ومن يغفر الذنوب إلا الله ولم يصروا على ما فعلوا وهم يعلمون (135)
(ومن يغفر الذنوب إلا الله).
الرفع محمول على المعنى، والمعنى وأي أحد يغفر الذنوب؛ ما يغفرها
إلا الله.
(ولم يصروا على ما فعلوا)، الإصرار الإقامة على الشيء.
* * *
وقوله جل وعز: (قد خلت من قبلكم سنن فسيروا في الأرض فانظروا كيف كان عاقبة المكذبين (137)
ج ١ · ص ٤٦٩
معنى قد خلت قد مضت، ومعنى سنن أهل سنن أي أهل طرائق.
والسنة الطريقة، وقول الناس: فلان على السنة معناه على الطريقة، ولم
يحتاجوا " أن يقولوا على السنة المستقيمة لأن في الكلام دليلا على ذلك، وهذا كقولنا " مؤمن " معناه مصدق وفي الكلام دليل على أنه مؤمن بأمور الله
- عز وجل - التي أمر بالإيمان بها، والمعنى إنكم إذا سرتم في أسفاركم عرفتم أخبار قوم اهلكوا بتكذيبهم.
* * *
وقوله عز وجل: (ولا تهنوا ولا تحزنوا وأنتم الأعلون إن كنتم مؤمنين (139)
أي لا تضعفوا، يقال وهن يهن إذا ضعف فضمن الله عز وجل - النصر
بقوله: (وأنتم الأعلون).
* * *
وقوله جل وعز: (إن يمسسكم قرح فقد مس القوم قرح مثله وتلك الأيام نداولها بين الناس وليعلم الله الذين آمنوا ويتخذ منكم شهداء والله لا يحب الظالمين (140)
(إن يمسسكم قرح) و (قرح) جميعا يقرأان، وهما عند أهل اللغة بمعنى واحد ومعناه الجراح وألمها
يقال قد قرح يقرح قرحا، وأصابه قرح، قال بعضهم كأن القرح
الجرح، وكأن القرح الألم.
(وتلك الأيام نداولها بين الناس).
أي نجعل الدولة في وقت من الأوقات للكافرين على المؤمنين إذا
عصوا فيما يؤمرون به، من محاربة الكفار، فأما إذا أطاعوا فهم منصورون
أبدا، كما قال الله - عز وجل - (ألا إن حزب الله هم المفلحون (22).
ومعنى (وليعلم الله الذين آمنوا ويتخذ منكم شهداء).
أي ليعلم الله من يقيم على الإيمان بعد أن تناله الغلبة، أي يجعل لهم
الدولة في وقت من الأوقات ليعلم المؤمنين.