سورة الجمعة
ج ٥ · ص ١٧٥
من كلمتين وأن العين من الحلق وحروف الإدغام في حروف الفم أكثر منها
في حروف الحلق نحو مد وشد وقر ورد وأكثر من باب دعه يدعه.
* * *
وقوله عز وجل: (وإذا رأيتهم تعجبك أجسامهم وإن يقولوا تسمع لقولهم كأنهم خشب مسندة يحسبون كل صيحة عليهم هم العدو فاحذرهم قاتلهم الله أنى يؤفكون (4)
كأنه وصفهم بتمام الصور وحسن الإبانة، ثم أعلم أنهم في تركهم
التفهم والاستبصار بمنزلة الخشب فقال: (كأنهم خشب مسندة).
ويقرأ (خشب مسندة) بإسكان الشين.
فمن قرأ بإسكان الشين فهو بمنزلة بدنة وبدن.
ومن قال خشب - بضم الشين - فهو بمنزلة ثمرة وثمر.
ويجوز (خشب مسندة)، فلا تقرأ بها إلا أن تثبت بها رواية، وخشبة وخشب مثل شجرة وشجر.
وقوله: (يحسبون كل صيحة عليهم).
وصفهم الله تعالى بالجبن، ويكون أمر كل من خاطب النبي عليه
السلام فإنما يخاطبه في أمرهم بكشف نفاقهم.
وقوله: (هم العدو فاحذرهم).
أي هم العدو الأدنى، فاحذرهم لأنهم كانوا أعداء النبي - صلى الله عليه وسلم - ويظهرون أنهم معه.
وقوله - عز وجل -: (قاتلهم الله أنى يؤفكون).
ومعنى (أنى يؤفكون) من أين يصرفون عن الحق إلى الباطل.
* * *
قوله: (وإذا قيل لهم تعالوا يستغفر لكم رسول الله لووا رءوسهم ورأيتهم يصدون وهم مستكبرون (5)
قرأ أبو عمرو يستغفر لكم - بإدغام الراء في اللام - وهي عند سيبويه لا
تجوز، وقد بينا ذلك في سورة الصف.
ج ٥ · ص ١٧٦
وقوله: (لووا رءوسهم).
على فعلوا، وقرئت (لووا رءوسهم) بالتخفيف.
وهذه قيل إنها نزلت في عبد الله بن أبي.
* * *
وقوله: (هم الذين يقولون لا تنفقوا على من عند رسول الله حتى ينفضوا ولله خزائن السماوات والأرض ولكن المنافقين لا يفقهون (7)
هذه أيضا نزلت في عبد الله بن أبي.
وذلك أنه قال لقوم ينفقون على بعض من مع رسول الله: لا تنفقوا عليهم حتى ينفضوا عنه.
(ولله خزائن السماوات والأرض ولكن المنافقين لا يفقهون).
أي أن الله يرزقهم وهو رازقهم في حال إنفاق هؤلاء عليهم.
* * *
وقوله عز وجل: (يقولون لئن رجعنا إلى المدينة ليخرجن الأعز منها الأذل ولله العزة ولرسوله وللمؤمنين ولكن المنافقين لا يعلمون (8)
يعنون أيضا عبد الله بن أبي.
فأعلم الله أنه مظهر دينه على الدين كله ومعز رسوله ومن معه من المؤمنين فقال: (ولله العزة ولرسوله وللمؤمنين).
* * *
وقوله عز وجل: (يا أيها الذين آمنوا لا تلهكم أموالكم ولا أولادكم عن ذكر الله ومن يفعل ذلك فأولئك هم الخاسرون (9)
حضهم الله على إدامة الذكر له وأن لا يضنوا بأموالهم فقال:
(وأنفقوا من ما رزقناكم من قبل أن يأتي أحدكم الموت فيقول رب لولا أخرتني إلى أجل قريب فأصدق وأكن من الصالحين (10)
أي من قبل أن يعاين ما يعلم معه أنه ميت.
(فيقول رب لولا أخرتني إلى أجل قريب فأصدق وأكن من الصالحين).