سورة العنكبوت
ج ٤ · ص ١٥٩
العامل فيها " أحسب "، كان المعنى على هذا - والله أعلم - أحسب
الناس أن يقولوا آمنا وهم لا يفتنون.
والأولى أجود.
* * *
وقوله: (ولقد فتنا الذين من قبلهم فليعلمن الله الذين صدقوا وليعلمن الكاذبين (3)
أي اختبرنا وابتلينا.
وقوله: (فليعلمن الله الذين صدقوا وليعلمن الكاذبين).
المعنى وليعلمن صدق الصادق بوقوع صدقه منه، وكذب
الكاذب بوقوع كذبه منه، وهو الذي يجازي عليه، والله قد علم
الصادق من الكاذب قبل أن يخلقهما ولكن القصد قصد وقوع العلم
بما يجازى عليه.
* * *
وقوله: (أم حسب الذين يعملون السيئات أن يسبقونا ساء ما يحكمون (4)
أي يحسبون أنهم يفوتوننا، أي ليس يعجزوننا.
(ساء ما يحكمون) على معنى ساء حكما يحكمون، كما تقول
نعم رجلا زيد - ويجوز أن تكون رفعا، على معنى ساء الحكم
حكمهم.
* * *
وقوله: (من كان يرجو لقاء الله فإن أجل الله لآت وهو السميع العليم
(5)
معناه والله أعلم من كان يرجو ثواب لقاء الله،، فأما من قال: إن
معناه الخوف، فالخوف ضد الرجاء، وليس في الكلام ضد.
وقد بينا ذلك في كتاب الأضداد.
وقوله: (فإن أجل الله لآت).
ج ٤ · ص ١٦٠
(من) في معنى الشرط، يرتفع بالابتداء، وخبرها كان، وجواب
الجزاء (فإن أجل الله لآت).
* * *
وقوله: (ووصينا الإنسان بوالديه حسنا وإن جاهداك لتشرك بي ما ليس لك به علم فلا تطعهما إلي مرجعكم فأنبئكم بما كنتم تعملون (8)
القراءة (حسنا)، وقد رويت (إحسانا).
و (حسنا) أجود لموافقة المصحف، فمن قال حسنا فهو مثل وصينا، إلا أن يفعل بوالديه ما يحسن.
ومن قرأ (إحسانا) فمعناه ووصينا الإنسان أن يحسن إلى والديه
إحسانا، وكأن (حسنا) أعم في البر.
وقوله: (وإن جاهداك لتشرك بي ما ليس لك به علم فلا تطعهما).
معناه: وإن جاهداك أيها الإنسان والداك لتشرك بي، وكذلك على
أن تشرك بي.
ويروى أن رجلا خرج من مكة مهاجرا إلى النبي - صلى الله عليه وسلم - إلى المدينة، فحلفت أمه أن لا يظلها بيت حتى يرجع، فأعلم الله أن بر
الوالدين واجب، ونهى أن يتابعا على معصية الله والشرك به، وإن كان
ذلك عند الوالدين برا.
* * *
وقوله: (ومن الناس من يقول آمنا بالله فإذا أوذي في الله جعل فتنة الناس كعذاب الله ولئن جاء نصر من ربك ليقولن إنا كنا معكم أوليس الله بأعلم بما في صدور العالمين (10)
أي فإذا ناله أذى أو عذاب بسبب إيمانه جزع من ذلك ما يجزع
من عذاب الله.
وينبغي للمؤمن أن يصبر على الأذية في الله عز وجل.
* * *
وقوله: (وقال الذين كفروا للذين آمنوا اتبعوا سبيلنا ولنحمل خطاياكم وما هم بحاملين من خطاياهم من شيء إنهم لكاذبون (12)
يقرأ (ولنحمل) بسكون اللام وبكسرها. في قوله (ولنحمل).
وهو أمر في تأويل الشرط والجزاء.
والمعنى إن تتبعوا سبيلنا حملنا خطاياكم.